الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
83
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والسماوات معا . وهذه الأشهر معلومة بأسمائها عند العرب ، وقد اصطلحوا على أن جعلوا ابتداء حسابها بعد موسم الحجّ ، فمبدأ السنة عندهم هو ظهور الهلال الذي بعد انتهاء الحجّ وذلك هلال المحرّم ، فلذلك كان أول السنة العربية شهر المحرم بلا شكّ ، ألا ترى قول لبيد : حتى إذا سلخا جمادى ستة * جزءا فطال صيامه وصيامها أراد جمادى الثانية فوصفه بستّة لأنّه الشهر السادس من السنة العربية . وقرأ الجمهور اثْنا عَشَرَ بفتح شين عَشَرَ وقرأه أبو جعفر اثْنا عَشَرَ بسكون عين عَشَرَ مع مدّ ألف اثنا مشبعا . والأربعة الحرم هي المعروفة عندهم : ثلاثة منها متوالية لا اختلاف فيها بين العرب وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرّم ، والرابع فرد وهو رجب عند جمهور العرب ، إلّا ربيعة فهم يجعلون الرابع رمضان ويسمّونه رجبا ، وأحسب أنّهم يصفونه بالثاني مثل ربيع وجمادى ، ولا اعتداد بهؤلاء لأنّهم شذّوا كما لم يعتدّ بالقبيلة التي كانت تحلّ أشهر السنة كلّها ، وهي قضاعة . وقد بيّن إجمال هذه الآية ا لنبي صلى اللّه عليه وسلم في خطبة حجّة الوداع بقوله : مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ « ذو القعدة وذو الحجّة والمحرّم ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان » . وتحريم هذه الأشهر الأربعة ممّا شرعه اللّه لإبراهيم عليه السلام لمصلحة الناس ، وإقامة الحجّ ، كما قال تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ [ المائدة : 97 ] . واعلم أنّ تفضيل الأوقات والبقاع يشبه تفضيل الناس ، فتفضيل الناس بما يصدر عنهم من الأعمال الصالحة ، والأخلاق الكريمة ، وتفضيل غيرهم ممّا لا إرادة له بما يقارنه من الفضائل ، الواقعة فيه ، أو المقارنة له . فتفضيل الأوقات والبقاع إنّما يكون بجعل اللّه تعالى بخبر منه ، أو باطلاع على مراده ، لأنّ اللّه إذا فضلها جعلها مظانّ لتطلّب رضاه ، مثل كونها مظانّ إجابة الدعوات ، أو مضاعفة الحسنات ، كما قال تعالى : لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [ القدر : 3 ] أي من عبادة ألف شهر لمن قبلنا من الأمم ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم « صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام » واللّه العليم