الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
76
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وسبيل اللّه طريقه استعير لدينه الموصّل إليه ، أي إلى رضاه ، والصدّ عن سبيل اللّه الإعراض عن متابعة الدين الحقّ في خاصّة النفس ، وإغراء الناس بالإعراض عن ذلك . فيكون هذا بالنسبة لأحكام دينهم إذ يغيرون العمل بها ، ويضلّلون العامّة في حقيقتها حتّى يعملوا بخلافها ، وهم يحسبون أنّهم متّبعون لدينهم ، ويكون ذلك أيضا بالنسبة إلى دين الإسلام إذ ينكرون نبوءة محمد صلى اللّه عليه وسلم ويعلّمون أتباع ملّتهم أنّ الإسلام ليس بدين الحقّ . والأجل ما في الصدّ من معنى صدّ الفاعل نفسه أتت صيغة مضارعه بضمّ العين : اعتبارا بأنّه مضاعف متعدّ ، ولذلك لم يجئ في القرآن إلّا مضموم الصاد ولو في المواضع التي لا يراد فيها أنّه يصدّ غيره ، وتقدّم ذكر شيء من هذا عند قوله تعالى : الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً في سورة الأعراف [ 45 ] . وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ . جملة معطوفة على جملة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً والمناسبة بين الجملتين : أنّ كلتيهما تنبيه على مساوي أقوام يضعهم الناس في مقامات الرفعة والسؤدد وليسوا أهلا لذلك ، فمضمون الجملة الأولى بيان مساوي أقوام رفع الناس أقدارهم لعلمهم ودينهم ، وكانوا منطوين على خبائث خفيّة ، ومضمون الجملة الثانية بيان مساوي أقوام رفعهم الناس لأجل أموالهم ، فبين اللّه أنّ تلك الأموال إذا لم تنفق في سبيل اللّه لا تغني عنهم شيئا من العذاب . وأمّا وجه مناسبة نزول هذه الآية في هذه السورة : فذلك أنّ هذه السورة نزلت إثر غزوة تبوك ، وكانت غزوة تبوك في وقت عسرة ، وكانت الحاجة إلى العدّة والظهر كثيرة ، كما أشارت إليه آية وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ [ التوبة : 92 ] وقد ورد في « السيرة » أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل اللّه ، وقد أنفق عثمان بن عفان ألف دينار ذهبا على جيش غزوة تبوك وحمل كثير من أهل الغنى فالذين انكمشوا عن النفقة هم الذين عنتهم الآية ب وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ ولا شكّ أنّهم من المنافقين . والكنز - بفتح الكاف - مصدر كنز إذا ادّخر مالا ، ويطلق على المال من الذهب