الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

74

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

النور ، فكيف يترك معانديه يطفئونه . واجتلاب اسم الموصول : للإيماء إلى أنّ مضمون الصلة علّة للجملة التي بنيت عليها هذه الجملة وهي جملة : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [ التوبة : 32 ] . وعبّر عن الإسلام بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ تنويها بفضله ، وتعريضا بأنّ ما هم عليه ليس بهدى ولا حقّ . وفعل الإظهار إذا عدّي ب عَلَى كان مضمّنا معنى النصر ، أو التفضيل ، أي لينصره على الأديان كلّها ، أي ليكون أشرف الأديان وأغلبها ، ومنه المظاهرة أي المناصرة ، وقد تقدّم ذكرها آنفا عند قوله : وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً [ التوبة : 4 ] . فالإسلام كان أشرف الأديان : لأنّ معجزة صدقه القرآن ، وهو معجزة تدرك بالعقل ، ويستوي في إدراك إعجازها جميع العصور ، ولخلوّ هذا الدين عن جميع العيوب في الاعتقاد والفعل ، فهو خلي عن إثبات ما لا يليق باللّه تعالى ، وخلي عن وضع التكاليف الشاقّة ، وخلي عن الدعوة إلى الإعراض عن استقامة نظام العالم ، وقد فصّلت ذلك في الكتاب الذي سمّيته « أصول النظام الاجتماعي في الإسلام » . وظهور الإسلام على الدين كلّه حصل في العالم باتّباع أهل الملل إيّاه في سائر الأقطار ، بالرغم على كراهية أقوامهم وعظماء مللهم ذلك ، ومقاومتهم إياه بكلّ حيلة ومع ذلك فقد ظهر وعلا وبان فضله على الأديان التي جاورها وسلامته من الخرافات والأوهام التي تعلّقوا بها ، وما صلحت بعض أمورهم إلّا فيما حاكوه من أحوال المسلمين وأسباب نهوضهم ، ولا يلزم من إظهاره على الأديان أن تنقرض تلك الأديان . و لَوْ في وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ وصلية مثل التي في نظيرتها . وذكر المشركون هنا لأنّ ظهور دين الإسلام أشدّ حسرة عليهم من كلّ أمّة ، لأنّهم الذين ابتدءوا بمعارضته وعداوته ودعوا الأمم للتألّب عليه واستنصروا بهم فلم يغنوا عنهم شيئا ، ولأنّ أتمّ مظاهر انتصار الإسلام كان في جزيرة العرب وهي ديار المشركين لأن الإسلام غلب عليها ، وزالت منها جميع الأديان الأخرى ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « لا يبقى دينان في جزيرة العرب » فلذلك كانت كراهية المشركين ظهوره محلّ المبالغة في أحوال إظهاره على الدين كلّه كما يظهر بالتأمّل . [ 34 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 34 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 )