الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

72

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وجملة لا إِلهَ إِلَّا هُوَ صفة ثانية ل إِلهاً واحِداً . وجملة سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ مستأنفة لقصد التنزيه والتبرّي ممّا افتروا على اللّه تعالى ، ولذلك سمي ذلك إشراكا . [ 32 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 32 ] يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) استئناف ابتدائي لزيادة إثارة غيظ المسلمين على أهل الكتاب ، بكشف ما يضمرونه للإسلام من الممالاة ، والتألّب على مناواة الدين ، حين تحقّقوا أنّه في انتشار وظهور ، فثار حسدهم وخشوا ظهور فضله على دينهم ، فالضمير في قوله : يُرِيدُونَ عائد إلى الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ [ التوبة : 29 ] والإطفاء إبطال الإسراج وإزالة النور بنفخ عليه ، أو هبوب رياح ، أو إراقة مياه على الشيء المستنير من سراج أو جمر . والنور : الضوء وقد تقدّم عند قوله تعالى : نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ في سورة الأنعام [ 91 ] . والكلام تمثيل لحالهم في محاولة تكذيب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وصدّ الناس عن اتّباع الإسلام ، وإعانة المناوئين للإسلام بالقول والإرجاف ، والتحريض على المقاومة . والانضمام إلى صفوف الأعداء في الحروب ، ومحاولة نصارى الشام الهجوم على المدينة بحال من بيحاول إطفاء نور بنفخ فمه عليه ، فهذا الكلام مركّب مستعمل في غير ما وضع له على طريقة تشبيه الهيئة بالهيئة ، ومن كمال بلاغته أنّه صالح لتفكيك التشبيه بأنّ يشبّه الإسلام وحده بالنور ، ويشبّه محاولو إبطاله بمريدي إطفاء النور ويشبّه الإرجاف والتكذيب بالنفخ ، ومن الرشاقة أنّ آلة النفخ وآلة التكذيب واحدة وهي الأفواه . والمثال المشهور للتمثيل الصالح لاعتباري التركيب والتفريق قول بشار : كأنّ مثار النّقع فوق رؤوسنا * وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه ولكن التفريق في تمثيلية الآية أشدّ استقلالا ، بخلاف بيت بشّار ، كما يظهر بالتأمّل . وإضافة النور إلى اسم الجلالة إشارة إلى أنّ محاولة إطفائه عبث وأنّ أصحاب تلك المحاولة لا يبلغون مرادهم . والإباء والإباية : الامتناع من الفعل ، وهو هنا تمثيل لإرادة اللّه تعالى إتمام ظهور الإسلام بحال من يحاوله محاول على فعل وهو يمتنع منه ، لأنّهم لمّا حاولوا طمس