الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
60
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا أحسن من قول المفسّرين أنّ معنى وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ لم تهتدوا إلى موضع من الأرض تفرّون إليه فكأنّ الأرض ضاقت عليكم ، ومنهم من أجمل فقال : أي لشدّة الحال وصعوبتها . وموقع ثُمَّ في قوله : ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ موقع التراخي الرتبي ، أي : وأعظم ممّا نالكم من الشرّ أن وليتم مدبرين . والتولّي : الرجوع ، و مُدْبِرِينَ حال : إمّا مؤكّدة لمعنى وَلَّيْتُمْ أو أريد بها إدبار أخص من التولّي ، لأنّ التولّي مطلق يكون للهروب ، ويكون للفرّ في حيل الحروب ، والإدبار شائع في الفرار الذي لم يقصد به حيلة فيكون الفرق بينه وبين التولّي اصطلاحا حربيا . [ 26 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 26 ] ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ ( 26 ) عطف على قوله : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ [ التوبة : 25 ] . و ثُمَّ دالّة على التراخي الرتبي فإنّ نزول السكينة ونزول الملائكة أعظم من النصر الأول يوم حنين ، على أنّ التراخي الزمني مراد ؛ تنزيلا لعظم الشدة وهول المصيبة منزلة طول مدّتها ، فإن أزمان الشدّة تخيّل طويلة وإن قصرت . والسكينة : الثبات واطمئنان النفس وقد تقدّم بيانها عند قوله تعالى : أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ في سورة البقرة [ 248 ] ، وتعليقها بإنزال اللّه ، وإضافتها إلى ضميره : تنويه بشأنها وبركتها ، وإشارة إلى أنّها سكينة خارقة للعادة ليست لها أسباب ومقدّمات ظاهرة ، وإنّما حصلت بمحض تقدير اللّه وتكوينه أنفا كرامة لنبيه صلى اللّه عليه وسلم وإجابة لندائه الناس ، ولذلك قدّم ذكر الرسول قبل ذكر المؤمنين . وإعادة حرف عَلى بعد حرف العطف : تنبيه على تجديد تعليق الفعل بالمجرور الثاني للإيماء إلى التفاوت بين السكينتين : فسكينة الرسول - عليه الصلاة والسلام - سكينة اطمئنان على المسلمين الذين معه وثقة بالنصر ، وسكينة المؤمنين سكينة ثبات وشجاعة بعد الجزع والخوف . والجنود جمع جند . والجند اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وهو الجماعة المهيّئة