الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

44

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

العدوّ بالمسلمين ، وما يشمل اتّخاذ أولياء من أعداء الإسلام يخلص إليهم ويفضى إليهم بسر المسلمين ، لأنّ تنكير وَلِيجَةً في سياق النفي يعمّ سائر أفرادها . و مِنْ دُونِ اللَّهِ متعلّق ب وَلِيجَةً في موضع الحال المبيّنة . و مِنْ ابتدائية ، أي وليجة كائنة في حالة تشبيه المكان الذي هو مبدأ للبعد من اللّه ورسوله والمؤمنين . وجملة وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ تذييل لإنكار ذلك الحسبان ، أي : لا تحسبوا ذلك مع علمكم بأنّ اللّه خبير بكلّ ما تعملونه . [ 17 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 17 ] ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) هذا ابتداء غرض من أغراض معاملة المشركين ، وهو منع المشركين من دخول المسجد الحرام في العام القابل ، وهو مرتبط بما تضمّنته البراءة في قوله : بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 1 ] ولما اتّصل بتلك الآية من بيان النبي صلى اللّه عليه وسلم الذي أرسل به مع أبي بكر الصديق : أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان . وهو توطئة لقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا [ التوبة : 28 ] . وتركيب ( ما كان لهم أن يفعلوا ) يدلّ على أنّهم بعداء من ذلك ، كما تقدّم عند قوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ والنبوءة في سورة آل عمران [ 79 ] ، أي ليسوا بأهل لأن يعمروا مساجد اللّه بما تعمر به من العبادات . و مَساجِدَ اللَّهِ مواضع عبادته بالسجود والركوع : المراد المسجد الحرام وما يتبعه من المسعى ، وعرفة ، والمشعر الحرام ، والجمرات ، والمنحر من منى . وعمر المساجد : العبادة فيها لأنّها إنّما وضعت للعبادة ، فعمرها بمن يحلّ فيها من المتعبّدين ، ومن ذلك اشتقّت العمرة ، والمعنى : ما يحقّ للمشركين أن يعبدوا اللّه في مساجد اللّه . وإناطة هذا النفي بهم بوصف كونهم مشركين : إيماء إلى أنّ الشرك موجب لحرمانهم من عمارة مساجد اللّه . وقد جاء الحال في قوله : شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ مبيّنا لسبب براءتهم من أن