الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

30

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلا ذِمَّةً . و كَيْفَ هذه مؤكدة ل كَيْفَ [ التوبة : 7 ] التي في الآية قبلها ، فهي معترضة بين الجملتين وجملة : وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ إلخ يجوز أن تكون جملة حالية ، والواو للحال ويجوز أن يكون معطوفة على جملة كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ [ التوبة : 7 ] إخبارا عن دخائلهم . وفي إعادة الاستفهام إشعار بأنّ جملة الحال لها مزيد تعلّق بتوجّه الإنكار على دوام العهد للمشركين ، حتّى كأنّها مستقلّة بالإنكار ، لا مجرّد قيد للأمر الذي توجّه إليه الإنكار ابتداء ، فيؤول المعنى الحاصل من هذا النظم إلى إنكار دوام العهد مع المشركين في ذاته ، ابتداء ، لأنّهم ليسوا أهلا لذلك ، وإلى إنكار دوامه بالخصوص في هذه الحالة . وهي حالة ما يبطنونه من نية الغدر إن ظهروا على المسلمين ، ممّا قامت عليه القرائن والأمارات ، كما فعلت هوازن عقب فتح مكة . فجملة : وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ معطوفة على جملة كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ [ التوبة : 7 ] . وضمير يَظْهَرُوا عائد إلى المشركين في قوله : كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ [ التوبة : 7 ] ومعنى وَإِنْ يَظْهَرُوا إن ينتصروا . وتقدّم بيان هذا الفعل آنفا عند قوله تعالى : وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً [ التوبة : 4 ] . والمعنى : لو انتصر المشركون ، بعد ضعفهم ، وبعد أن جرّبوا من العهد معكم أنّه كان سببا في قوتكم ، لنقضوا العهد . وضمير عَلَيْكُمْ خطاب للمؤمنين . ومعنى لا يَرْقُبُوا لا يوفوا ولا يراعوا ، يقال : رقب الشيء ، إذا نظر إليه نظر تعهّد ومراعاة ، ومنه سمّي الرقيب ، وسمّي المرقب مكان الحراسة ، وقد أطلق هنا على المراعاة والوفاء بالعهد ، لأنّ من أبطل العمل بشيء فكأنّه لم يره وصرف نظره عنه . والإلّ : الحلف والعهد ؛ ويطلق الإلّ على النسب والقرابة . وقد كانت بين المشركين وبين المسلمين أنساب وقرابات ، فيصحّ أن يراد هنا كلا معنييه . والذمّة ما يمتّ به من الأواصر من صحبة وخلة وجوار ممّا يجب في المروءة أن يحفظ ويحمى ، يقال : في ذمّتي كذا ، أي ألتزم به وأحفظه . يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ .