الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

26

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الأمن ، لأنّ المرء لا يستقر بمكان إلّا إذا كان آمنا ، فمن ثم سمّوا المؤمّن جارا ، والحليف جارا ، وصار فعل أجار بمعنى أمّن ، ولا يطلق بمعنى جعل شخصا جارا له . والمعنى : إن أحد من المشركين استأمنك فأمنه . ولم يبيّن سبب الاستجارة ، لأنّ ذلك مختلف الغرض وهو موكول إلى مقاصد العقلاء فإنّه لا يستجير أحد إلّا لغرض صحيح . ولما كانت إقامة المشرك المستجير عند النبي عليه الصلاة والسلام لا تخلو من عرض الإسلام عليه وإسماعه القرآن ، سواء كانت استجارته لذلك أم لغرض آخر ، لما هو معروف من شأن النبي صلى اللّه عليه وسلم من الحرص على هدي الناس ، جعل سماع هذا المستجير القرآن غاية لإقامته الوقتية عند الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، فدلّت هذه الغاية على كلام محذوف إيجازا ، وهو ما تشتمل عليه إقامة المستجير من تفاوض في مهمّ ، أو طلب الدخول في الإسلام ، أو عرض الإسلام عليه ، فإذا سمع كلام اللّه فقد تمّت أغراض إقامته لأنّ بعضها من مقصد المستجير وهو حريص على أن يبدأ بها ، وبعضها من مقصد النبي عليه الصلاة والسلام وهو لا يتركه يعود حتّى يعيد إرشاده ، ويكون آخر ما يدور معه في آخر أزمان إقامته إسماعه كلام اللّه تعالى . وكلام اللّه : القرآن ، أضيف إلى اسم الجلالة لأنّه كلام أوجده اللّه ليدلّ على مراده من الناس وأبلغه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام بواسطة الملك ، فلم يكن من تأليف مخلوق ولكن اللّه أوجده بقدرته بدون صنع أحد ، بخلاف الحديث القدسي . ولذلك أعقبه بحرف المهلة ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ للدلالة على وجوب استمرار إجارته في أرض الإسلام إلى أن يبلغ المكان الذي يأمن فيه ، ولو بلغه بعد مدّة طويلة فحرف ( ثم ) هنا للتراخي الرتبي اهتماما بإبلاغه مأمنه . ومعنى أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ أمهله ولا تهجه حتّى يبلغ مأمنه ، فلمّا كان تأمين النبي عليه الصلاة والسلام إياه سببا في بلوغه مأمنه ، جعل التأمين إبلاغا فأمر به النبي عليه الصلاة والسلام ، وهذا يتضمّن أمر المسلمين بأن لا يتعرّضوا له بسوء حتّى يبلغ بلاده التي يأمن فيها . وليس المراد أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم يتكلّف ترحيله ويبعث من يبلغه ، فالمعنى : اتركه يبلغ مأمنه ، كما يقول العرب لمن يبادر أحد بالكلام قبل إنهاء كلامه : « أبلعني ريقي » ، أي أمهلني لحظة مقدار ما أبلع ريقي ثم أكلّمك ، قال الزمخشري : قلت لبعض أشياخي : « أبلعني ريقي - فقال - قد أبلعتك الرافدين » يعني دجلة والفرات .