الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
236
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وجملة : هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ بيان لجملة نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ لأن النظر تفاهموا به فيما هو سرّ بينهم ؛ فلما كان النظر نظر تفاهم صح بيان جملته بما يدل على الاستفهام التعجيبي ، ففي هذا النظم إيجاز حذف بديع دلت عليه القرينة . والتقدير : وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحة أمرهم نظر بعضهم إلى بعض بخائنة الأعين مستفهمين متعجبين من اطلاع النبي صلى اللّه عليه وسلم على أسرارهم ، أي هل يراكم من أحد إذا خلوتم ودبرتم أموركم ، لأنهم بكفرهم لا يعتقدون أن اللّه أطلع نبيه - عليه الصلاة والسلام - على دخيلة أمرهم . وزيادة جملة : ثُمَّ انْصَرَفُوا لإفادة أنهم لم يكتسبوا من نزول السورة التي أطلعت المؤمنين على أسرارهم عبرة ولا قربا من الإيمان ، بل كان قصارى أمرهم التعجب والشك في أن يكون قد اطلع عليهم من يبوح بأسرارهم ثم انصرفوا كأن لم تكن عبرة . وهذا من جملة الفتن التي تحل بهم ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون . وجملة : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ مستأنفة استئنافا بيانيا ، لأن ما أفاده قوله : ثُمَّ انْصَرَفُوا من عدم انتفاعهم بما في تلك السورة من الإخبار بالمغيبات الدال على صدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم يثير سؤال من يسأل عن سبب عدم انتفاعهم بذلك واهتدائهم ، فيجاب بأن اللّه صرف قلوبهم عن الفهم بأمر تكويني فحرموا الانتفاع بأبلغ واعظ . وكان ذلك عقابا لهم بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ، أي لا يفهمون الدلائل ، بمعنى لا يتطلبون الهدى بالتدبر فيفهموا . وجعل جماعة من المفسرين قوله : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ دعاء عليهم ، ولا داعي إليه لأن دعاء اللّه على مخلوقاته تكوين كما تقدم ، ولأنه يأباه تسبيبه بقوله : بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . وقد أعرض المفسرون عن تفسير هذه الآية تفسيرا يبين استفادة معانيها من نظم الكلام فأتوا بكلام يخاله الناظر إكراها لها على المعنى المراد وتقديرات لا ينثلج لها الفؤاد . [ 128 ، 129 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 128 إلى 129 ] لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ ( 128 ) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ( 129 ) كانت هذه السورة سورة شدة وغلظة على المشركين وأهل الكتاب والمنافقين من