الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

231

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وفي توجيه الخطاب للذين آمنوا دون النبي إيماء إلى أن النبي - عليه الصلاة والسلام - لا يغزو بعد ذلك وأن أجله الشريف قد اقترب . ولعل في قوله : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ إيماء إلى التسلية على فقد نبيهم - عليه الصلاة والسلام - وأن اللّه معهم كقوله في الآية الأخرى وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ آل عمران : 144 ] . والغلظة بكسر الغين : الشدة الحسية والخشونة ، وهي مستعارة هنا للمعاملة الضارة ، كقوله : وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 73 ] . قال في « الكشاف » : وذلك يجمع الجرأة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر . اه . قلت : والمقصد من ذلك إلقاء الرعب في قلوب الأعداء حتى يخشوا عاقبة التصدي لقتال المسلمين . ومعنى أمر المسلمين بحصول ما يجده الكافرون من غلظة المؤمنين عليهم هو أمر المؤمنين بأن يكونوا أشداء في قتالهم . وهذه مبالغة في الأمر بالشدة لأنه أمر لهم بأن يجد الكفار فيهم الشدة . وذلك الوجدان لا يتحقق إلا إذا كانت الغلظة بحيث تظهر وتنال العدو فيحس بها ، كقوله تعالى لموسى : فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها [ طه : 16 ] . وإنما وقعت هذه المبالغة لما عليه العدو من القوة ، فإن المقصود من الكفار هنا هم نصارى العرب وأنصارهم الروم ، وهم أصحاب عدد وعدد فلا يجدون الشدة من المؤمنين إلا إذا كانت شدة عظيمة . ومن وراء صريح هذا الكلام تعريض بالتهديد للمنافقين ، إذ قد ظهر على كفرهم وهم أشد قربا من المؤمنين في المدينة . وفي هذا السياق جاء قوله تعالى : يا أيها النبي جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [ التوبة : 73 ] . وجملة : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ تأييد وتشجيع ووعد بالنصر إن اتقوا بامتثال الأمر بالجهاد . وافتتحت الجملة ب اعْلَمُوا للاهتمام بما يراد العلم به كما تقدم في قوله تعالى : وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ في سورة الأنفال [ 41 ] . والمعية هنا معية النصر والتأييد ، كقوله تعالى : إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [ التوبة : 40 ] . وهذا تأييد لهم إذ قد علموا قوة الروم . [ 124 ، 125 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 124 إلى 125 ] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 )