الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
224
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وصيغة ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ خبر مستعمل في إنشاء الأمر على طريق المبالغة ، إذ جعل التخلف ليس مما ثبت لهم ، فهم برآء منه فيثبت لهم ضده وهو الخروج مع النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا غزا . فيه ثناء على أهل المدينة ومن حولهم من الأعراب لما قاموا به من غزو تبوك ، فهو يقتضي تحريضهم على ذلك كما دل عليه قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ إلخ . وفيه تعريض بالذين تخلفوا من أهل المدينة ومن الأعراب . وذلك يدل على إيجاب النفير عليهم إذا خرج النبي صلى اللّه عليه وسلم للغزو . وقال قتادة وجماعة : هذا الحكم خاص بخروج النبي صلى اللّه عليه وسلم دون غيره من الخلفاء والأمراء فهو محكم غير منسوخ . وبذلك جزم ابن بطال من المالكية . قال زيد بن أسلم وجابر بن زيد : كان هذا حكما عاما في قلة الإسلام واحتياجه إلى كثرة الغزاة ثم نسخ لما قوي الإسلام بقوله تعالى : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً [ التوبة : 122 ] فصار وجوب الجهاد على الكفاية . وقال ابن عطية : هذا حكم من استنفرهم الإمام بالتعيين لأنه لو جاز لهؤلاء التخلف لتعطل الخروج . واختاره فخر الدين . والتخلف : البقاء في المكان بعد الغير ممن كان معه فيه ، وقد تقدم عند قوله : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ [ التوبة : 81 ] . والرغبة تعدّى بحرف ( في ) فتفيد معنى مودة تحصيل الشيء والحرص فيه ، وتعدى بحرف ( عن ) فتفيد معنى المجافاة للشيء ، كما تقدم في قوله تعالى : وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ [ البقرة : 130 ] وهي هنا معداة ب ( عن ) . أريد برغبتهم عن نفسه محبتهم أنفسهم وحرصهم على سلامتها دون الحرص على سلامة نفس الرسول ، فكأنهم رغبوا عن نفسه إذ لم يخرجوا معه ملابسين لأنفسهم ، أي محتفظين بها لأنهم بمقدار من يتخلف منهم يزداد تعرض نفس الرسول من التلف قربا ، فتخلف واحد منهم عن الخروج معه عون على تقريب نفس الرسول عليه الصلاة والسلام من التلف فلذلك استعير لهذا التخلف لفظ الرغبة عنه . والباء في قوله : بِأَنْفُسِهِمْ للملابسة وهي في موضع الحال . نزل الضن بالأنفس والحذر من هلاكها بالتلبس بها في شدة التمكن فاستعمل له حرف باء الملابسة . وهذه ملابسة خاصة وإن كانت النفوس في كل حال متلبسا بها . وهذا تركيب بديع الإيجاز بالغ الإعجاز .