الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

210

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ألزم اللّه البيع من جانبه وضمن إيصال الثمن إليهم بقوله : وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ، أي لا إقالة ولا استقالة من حضرة العزة . ثم ما اكتفى بذلك بل عين الصكوك المثبت فيها هذه المبايعة وهي التوراة والإنجيل والقرآن » اه . وهو يرمي بهذا إلى أن تكون الآية تتضمن تمثيلا عكس ما فسرنا به آنفا . وقوله : فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ تفريع على يُقاتِلُونَ ، لأن حال المقاتل لا تخلو من أحد هذين الأمرين . وقرأ الجمهور فَيَقْتُلُونَ بصيغة المبني للفاعل وما بعده بصيغة المبني للمفعول . وقرأ حمزة والكسائي بالعكس . وفي قراءة الجمهور اهتمام بجهادهم بقتل العدو ، وفي القراءة الأخرى اهتمام بسبب الشهادة التي هي أدخل في استحقاق الجنة . و وَعْداً منصوب على المفعولية المطلقة من اشْتَرى ، لأنه بمعنى وعد إذ العوض مؤجل . و حَقًّا صفة وَعْداً . و عَلَيْهِ ظرف لغو متعلق ب حَقًّا ، قدم على عامله للاهتمام بما دل عليه حرف ( على ) من معنى الوجوب . وقوله : فِي التَّوْراةِ حال من وَعْداً . والظرفية ظرفية الكتاب للمكتوب ، أي مكتوبا في التوراة والإنجيل والقرآن « 1 » . وجملة : وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ في موضع الحال من الضمير المجرور في قوله : وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا ، أي وعدا حقا عليه ولا أحد أوفى بعهده منه ، فالاستفهام إنكاري بتنزيل السامع منزلة من يجعل هذا الوعد محتملا للوفاء وعدمه كغالب الوعود فيقال : ومن أوفى بعهده من اللّه إنكارا عليه . و أَوْفى اسم تفضيل من وفّى بالعهد إذا فعل ما عاهد على فعله . و مِنَ تفضيلية ، وهي للابتداء عند سيبويه ، أي للابتداء المجازي . وذكر اسم الجلالة عوضا عن ضميره لإحضار المعنى الجامع لصفات الكمال . والعهد : الوعد بحلف والوعد المؤكد ، والبيعة عهد ، والوصية عهد . وتفرع على كون الوعد حقا على اللّه ، وعلى أن اللّه أوفى بعهده من كل واعد ، أن يستبشر المؤمنون ببيعهم هذا ، فالخطاب للمؤمنين من هذه الأمة . وأضيف البيع إلى

--> ( 1 ) من ذلك ما في الأصحاح العشرين من سفر التثنية فهو في أحكام الحرب وما في الأصحاح من سفر يوشع . وفي الفقرة ( 24 ) من الأصحاح الثامن عشر من إنجيل لوقا .