الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

202

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

أجلها ، وهم فريق من المنافقين بنوا مسجدا حول قباء لغرض سيئ لينصرف إخوانهم عن مسجد المؤمنين وينفردوا معهم بمسجد يخصهم . فالجملة مستأنفة ابتدائية على قراءة من قرأها غير مفتتحة بواو العطف ، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر . ونكتة الاستئناف هنا التنبيه على الاختلاف بين حال المراد بها وبين حال المراد بالجملة التي قبلها وهم المرجون لأمر اللّه . وقرأها البقية بواو العطف في أولها ، فتكون معطوفة على التي قبلها لأنها مثلها في ذكر فريق آخر مثل من ذكر فيما قبلها . وعلى كلتا القراءتين فالكلام جملة أثر جملة وليس ما بعد الواو عطف مفرد . وقوله الَّذِينَ مبتدأ وخبره جملة : لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً كما قاله الكسائي . والرابط هو الضمير المجرور من قوله : لا تَقُمْ فِيهِ لأن ذلك الضمير عائد إلى المسجد وهو مفعول صلة الموصول فهو سببي للمبتدأ ، إذ التقدير : لا تقم في مسجد اتخذوه ضرارا ، أو في مسجدهم ، كما قدره الكسائي . ومن أعربوا أَ فَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ [ التوبة : 109 ] خبرا فقد بعدوا عن المعنى . والآية أشارت إلى قصة اتخاذ المنافقين مسجدا قرب مسجد قباء لقصد الضرار ، وهم طائفة من بني غنم بن عوف وبني سالم بن عوف من أهل العوالي . كانوا اثني عشر رجلا سماهم ابن عطية . وكان سبب بنائهم إيّاه أن أبا عامر واسمه عبد عمرو ، ويلقب بالراهب من بني غنم بن عوف كان قد تنصر في الجاهلية فلما جاء الإسلام كان من المنافقين . ثم جاهر بالعداوة وخرج في جماعة من المنافقين فحزّب الأحزاب التي حاصرت المدينة في وقعة الخندق فلما هزمهم اللّه أقام أبو عامر بمكة . ولما فتحت مكة هرب إلى الطائف ، فلما فتحت الطائف وأسلمت ثقيف خرج أبو عامر إلى الشام يستنصر بقيصر ، وكتب إلى المنافقين من قومه يأمرهم بأن يبنوا مسجدا ليخلصوا فيه بأنفسهم ، ويعدهم أنه سيأتي في جيش من الروم ويخرج المسلمين من المدينة . فانتدب لذلك اثنا عشر رجلا من المنافقين بعضهم من بني عمرو بن عوف وبعضهم من أحلافهم من بني ضبيعة بن زيد وغيرهم ، فبنوه بجانب مسجد قباء ، وذلك قبيل مخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى تبوك . وأتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم وقالوا : بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة ونحن نحب أن تصلي لنا فيه ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إني على جناح سفر وحال شغل وإذا قدمنا إن شاء اللّه صلينا فيه . فلما قفل من غزوة تبوك سألوه أن يأتي مسجدهم فأنزل اللّه هذه الآية ، وحلفوا أنهم ما أرادوا به إلا خيرا .