الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
199
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
شزرا ويرونه قد جاء نكرا . والرؤية المسندة إلى اللّه تعالى رؤية مجازية . وهي تعلق العلم بالواقعات سواء كانت ذوات مبصرات أم كانت أحداثا مسموعات ومعاني مدركات ، وكذلك الرؤية المسندة إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم والمؤمنين المعنى المجزى لقوله : عَمَلَكُمْ . وجملة : وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ من جملة المقول . وهو وعد ووعيد معا على حسب الأعمال ، ولذلك جاء فيه بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وقد تقدم القول في نظيره آنفا . [ 106 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 106 ] وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 106 ) هذا فريق آخر عطف خبره على خبر الفرق الآخرين . والمراد بهؤلاء من بقي من المخلّفين لم يتب اللّه عليه ، وكان أمرهم موقوفا إلى أن يقضي اللّه بما يشاء . وهؤلاء نفر ثلاثة ، هم : كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع ، وثلاثتهم قد تخلفوا عن غزوة تبوك . ولم يكن تخلفهم نفاقا ولا كراهية للجهاد ولكنهم شغلوا عند خروج الجيش وهم يحسبون أنهم يلحقونه وانقضت الأيام وأيسوا من اللحاق . وسأل عنهم النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو في تبوك . فلما رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم أتوه وصدقوه ، فلم يكلمهم ، ونهى المسلمين عن كلامهم ومخالطتهم ، وأمرهم باعتزال نسائهم ، فامتثلوا وبقوا كذلك خمسين ليلة ، فهم في تلك المدة مرجون لأمر اللّه . وفي تلك المدة نزلت هذه الآية ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ [ المائدة : 71 ] . وأنزل فيهم قوله : لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النبي وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ - إلى قوله - وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [ التوبة : 117 - 119 ] . وعن كعب بن مالك في قصته هذه حديث طويل أغر في « صحيح البخاري » . على التوبة والتنبيه إلى فتح بابها . وقد جوز المفسرون عود ضمير أَ لَمْ يَعْلَمُوا [ التوبة : 104 ] إلى الفريقين اللذين أشرنا إليهما . وقوله : هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ [ التوبة : 104 ] ( هو ) ضمير فصل مفيد لتأكيد الخبر . و عَنْ عِبادِهِ [ التوبة : 104 ] متعلقة ب يَقْبَلُ لتضمنه معنى يتجاوز ، إشارة إلى أن قبول التوبة هو التجاوز عن المعاصي المتوب منها .