الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
194
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ [ التوبة : 94 ] ، وإلا فإن الحكم معلوم للمخاطب فلا يحتاج إلى الإخبار به . وفيه إشارة إلى عدم الفائدة للرسول صلى اللّه عليه وسلم في علمه بهم ، فإن علم اللّه بهم كاف . وفيه أيضا تمهيد لقوله بعده سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ . وجملة : سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ استيناف بياني للجواب عن سؤال يثيره قوله : نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ، وهو أن يسأل سائل عن أثر كون اللّه تعالى يعلمهم . فأعلم أنه سيعذبهم على نفاقهم ولا يفلتهم منه عدم علم الرسول - عليه الصلاة والسلام - بهم . والعذاب الموصوف بمرتين عذاب في الدنيا لقوله بعده ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ . وقد تحير المفسرون في تعيين المراد من المرتين . وحملوه كلهم على حقيقة العدد . وذكروا وجوها لا ينشرح لها الصدر . والظاهر عندي أن العدد مستعمل لمجرد قصد التكرير المفيد للتأكيد كقوله تعالى : ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [ الملك : 4 ] أي تأمل تأملا متكررا . ومنه قول العرب : لبيك وسعديك ، فاسم التثنية نائب مناب إعادة اللفظ . والمعنى : سنعذبهم عذابا شديدا متكررا مضاعفا ، كقوله تعالى : يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [ الأحزاب : 30 ] . وهذا التكرر تختلف أعداده باختلاف أحوال المنافقين واختلاف أزمان عذابهم . والعذاب العظيم : هو عذاب جهنم في الآخرة . [ 102 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 102 ] وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 102 ) الأظهر أن جملة : وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا عطف على جملة : وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ [ التوبة : 101 ] ، أي وممن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة آخرون أذنبوا بالتخلف فاعترفوا اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ بذنوبهم بالتقصير . فقوله : إيجاز لأنه يدل على أنهم أذنبوا واعترفوا بذنوبهم ولم يكونوا منافقين لأن التعبير بالذنوب بصيغة الجمع يقتضي أنها أعمال سيئة في حالة الإيمان ، وكذلك التعبير عن ارتكاب الذنوب بخلط العمل الصالح بالسيّئ . وكان من هؤلاء جماعة منهم الجد بن قيس ، وكردم ، وأرس بن ثعلبة ، ووديعة بن حزام ، ومرداس ، وأبو قيس ، وأبو لبابة في عشرة نفر اعترفوا بذنبهم في التخلف عن غزوة تبوك وتابوا إلى اللّه وربطوا أنفسهم في سواري المسجد النبوي أياما حتى نزلت هذه الآية في توبة اللّه عليهم .