الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
184
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الدنيوي فاستقلت بأعمالها مدة العمر كان مصيرها بعد الموت أو عند البعث إلى تصرف اللّه فيها شبيها برد شيء إلى مقره أو إرجاعه إلى مالكه . والغيب : ما غاب عن علم الناس . والشهادة : المشاهدة . واللام في الْغَيْبِ و الشَّهادَةِ للاستغراق ، أي كل غيب وكل شهادة . والعدول عن أن يقال : لم تردون إليه ، أي إلى اللّه ، لما في الإظهار من التنبيه على أنه لا يعزب عنه شيء من أعمالهم ، زيادة في الترغيب والترهيب ليعلموا أنه لا يخفى على اللّه شيء . والإنباء : الإخبار . وما كنتم تعملون : علم كل عمل عملوه . واستعمل فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في لازم معناه ، وهو المجازاة على كل ما عملوه ، أي فتجدونه عالما بكل ما عملتموه . وهو كناية ؛ لأن ذكر المجازاة في مقام الإجرام والجناية لازم لعموم علم ملك يوم الدين بكل ما عملوه . [ 95 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 95 ] سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 95 ) الجملة مستأنفة ابتدائية تعداد لأحوالهم . ومعناها ناشئ عن مضمون جملة لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ [ التوبة : 94 ] تنبيها على أنهم لا يرعوون عن الكذب ومخادعة المسلمين ، فإذا قيل لهم لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ [ التوبة : 94 ] حلفوا على أنهم صادقون ترويجا لخداعهم : وهذا إخبار بما سيلاقي به المنافقون المسلمين قبل وقوعه وبعد رجوع المسلمين من الغزو . و إِذا هنا ظرف للزمن الماضي . وحذف المحلوف عليه لظهوره ، ولتقدم نظيره في قوله : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ [ التوبة : 42 ] إلا أن ما تقدم في حلفهم قبل الخروج . والانقلاب : الرجوع ، وتقدم في قوله انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ في آل عمران [ 144 ] . وصرح بعلة الحلف هنا أنه لقصد إعراض المسلمين عنهم ، أي عن عتابهم وتقريعهم ، للإشارة إلى أنهم لا يقصدون تطييب خواطر المسلمين ولكن أرادوا التملّص من مسبة العتاب ولذعه . ولذلك قال في الآيتين الأخريين يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ