الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
182
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
تنفيذ المؤاخذة في الغير . ولذلك عدّي بحرف ( على ) المفيد لمعنى الاستعلاء ، وهو استعلاء مجازي بمعنى التمكن من التصرف في مدخول ( على ) . فكان هذا التركيب استعارة مكنية رمز إليها بما هو من ملائمات المشبه به وهو حرف ( على ) . وفيه استعارة تبعية . والتعريف باللام في قوله : إِنَّمَا السَّبِيلُ تعريف العهد ، والمعهود هو السبيل المنفي في قوله تعالى : ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [ التوبة : 91 ] على قاعدة النكرة إذا أعيدت معرفة ، أي إنما السبيل المنفي عن المحسنين مثبت للذين يستأذنونك وهم أغنياء . ونظير هذا قوله تعالى : إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ في سورة الشورى [ 42 ] . فدل ذلك على أن المراد بالسبيل العذاب . والمعنى ليست التبعة والمؤاخذة إلا على الذين يستأذنونك وهم أغنياء ، الذين أرادوا أن يتخلفوا عن غزوة تبوك ولا عذر لهم يخولهم التخلف . وقد سبقت آية فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا من سورة النساء [ 90 ] ، وأحيل هنالك تفسيرها على ما ذكرناه في هذه الآية . وجملة : رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ مستأنفة لجواب سؤال ينشأ عن علة استيذانهم في التخلف وهم أغنياء ، أي بعثهم على ذلك رضاهم بأن يكونوا مع الخوالف من النساء . وقد تقدم القول في نظيره آنفا . وأسند الطبع على قلوبهم إلى اللّه في هذه الآية بخلاف ما في الآية السابقة وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ [ التوبة : 87 ] لعله للإشارة إلى أنه طبع غير الطبع الذي جبلوا عليه بل هو طبع على طبع أنشأه اللّه في قلوبهم لغضبه عليهم فحرمهم النجاة من الطبع الأصلي وزادهم عماية ، ولأجل هذا المعنى فرع عليه فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ لنفي أصل العلم عنهم ، أي يكادون أن يساووا العجماوات . [ 94 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 94 ] يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 94 ) استئناف ابتدائي لأن هذا الاعتذار ليس قاصرا على الذين يستأذنون في التخلف فإن الإذن لهم يغنيهم عن التبرؤ بالحلف الكاذب ، فضمير يَعْتَذِرُونَ عائد إلى أقرب معاد