الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

18

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

برفع ( قيار ) لأنّه أراد أن يجعل غربة جمله المسمّى « قيارا » غربة أخرى غير تابعة لغربته . وممّا يجب التنبيه له : ما في بعض التفاسير أنّه روى عن الحسن قراءة وَرَسُولِهِ - بالجرّ - ولم يصحّ نسبتها إلى الحسن ، وكيف يتصور جرّ وَرَسُولِهِ ولا عامل بمقتضي جرّه ، ولكنّها ذات قصة طريفة : أنّ أعرابيا سمع رجلا قرأ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ - بجرّ ورسوله - فقال الأعرابي : إن كان اللّه بريئا من رسوله فأنا منه بريء . وإنّما أراد التورّك على القارئ ، فلبّبه الرجل إلى عمر ، فحكى الأعرابي قراءته فعندها أمر عمر بتعلّم العربية ، وروي - أيضا - أنّ أبا الأسود الدؤلي سمع ذلك فرفع الأمر إلى علي . فكان ذلك سبب وضع النحو ، وقد ذكرت هذه القصة في بعض كتب النحو في ذكر سبب وضع علم النحو . وهذا الأذان قد وقع في الحجّة التي حجّها أبو بكر بالناس ، إذ ألحق رسول اللّه عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر ، موافيا الموسم ليؤذّن ببراءة ، فأذن بها علي يوم النحر بمنى ، من أولها إلى ثلاثين أو أربعين آية « 1 » منها ، كذا ثبت في الصحيح والسنن بطرق مختلفة يزيد بعضها على بعض . ولعلّ قوله : « أو أربعين آية » شكّ من الراوي ، فما ورد في رواية النسائي ، أي عن جابر : أنّ عليا قرأ على الناس براءة حتّى ختمها ، فلعلّ معناه حتّى ختم ما نزل منها ممّا يتعلّق بالبراءة من المشركين ، لأنّ سورة براءة لم يتم نزولها يومئذ ، فقد ثبت أنّ آخر آية نزلت على النبي صلى اللّه عليه وسلم هي آخر آية من سورة براءة . وإنّما ألحق النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب بأبي بكر الصديق ، لأنّه قيل لرسول اللّه إنّ العرب لا يرون أن ينقض أحد عهده مع من عاهده إلّا بنسفه أو برسول من ذي قرابة نسبه ، فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن لا يترك للمشركين عذرا في علمهم بنبذ العهد الذي بينه وبينهم . و روي : أنّ عليا بعث أبا هريرة يطوف في منازل قبائل العرب من منى ، يصيح بآيات براءة حتى صحل صوته . وكان المشركون إذا سمعوا ذلك يقولون لعلي « سترون بعد الأربعة الأشهر فإنّه لا عهد بيننا وبين ابن عمك إلّا الطعن والضرب » .

--> ( 1 ) تنتهي الثلاثون آية عند قوله تعالى : قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ وتنتهي الأربعون آية عند قوله تعالى : وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [ التوبة : 40 ] .