الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

173

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الآية السالفة إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ [ التوبة : 55 ] بذكر لام التعليل وحذف ( أن ) بعدها وقد اجتمع الاستعمالان في قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ - إلى قوله - وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ في سورة النساء [ 26 ، 27 ] . وحذف حرف الجرّ مع ( أن ) كثير . وهنالك قدرت أن بعد اللام وتقدير ( أن ) بعد اللام كثير . ومن محاسن التأكيد الاختلاف في اللفظ وهو تفنّن على أنّ تلك اللام ونحوها قد اختلف فيها فقيل هي زائدة ، وقيل : تفيد التعليل . وسمّاها بعض أهل اللغة ( لام أن ) ، وتقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ في سورة النساء [ 26 ] . رابعها : أنّه جاء في هذه الآية أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وجاء في الآية السالفة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ التوبة : 55 ] ونكتة ذلك أنّ الآية السالفة ذكرت حالة أموالهم في حياتهم فلم تكن حاجة إلى ذكر الحياة . وهنا ذكرت حالة أموالهم بعد مماتهم لقوله : وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً [ التوبة : 84 ] فقد صاروا إلى حياة أخرى وانقطعت حياتهم الدنيا وأصبحت حديثا . وبقية تفسير هذه الآية كتفسير سالفتها . [ 86 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 86 ] وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ ( 86 ) هذا عطف غرض على غرض قصد به الانتقال إلى تقسيم فرق المتخلّفين عن الجهاد من المنافقين وغيرهم وأنواع معاذيرهم ومراتبها في القبول . دعا إليه الإغلاظ في تقريع المتخلّفين عن الجهاد نفاقا وتخذيلا للمسلمين ، ابتداء من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [ التوبة : 38 ] ثم قوله : لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً [ التوبة : 42 ] وكلّ ذلك مقصود به المنافقون . ولأجل كون هذه الآية غرضا جديدا ابتدأت بذكر نزول سورة داعية إلى الإيمان والجهاد . والمراد بها هذه السورة ، أي سورة براءة ، وإطلاق اسم السورة عليها في أثنائها قبل إكمالها مجاز متّسع فيه كإطلاق الكتاب على القرآن في أثناء نزوله في نحو قوله : ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : 2 ] وقوله : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ [ الأنعام : 92 ] فهذا الوصف وصف مقدّر شبيه بالحال المقدّرة . وابتدأ بذكر المتخلّفين من المنافقين بقوله : اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ .