الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
170
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
حتّى أطلق على ارتكابه فعل رضي المشعر بالمحاولة والمراوضة . جعلوا كالذي يحاول نفسه على عمل وتأبى حتّى يرضيها كقوله تعالى : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [ التوبة : 38 ] وقد تقدّم ذلك . وانتصب أَوَّلَ مَرَّةٍ هنا على الظرفية لأنّ المرّة هنا لمّا كانت في زمن معروف لهم وهو زمن الخروج إلى تبوك ضمنت معنى الزمان . وانتصاب المصدر بالنيابة عن اسم الزمان شائع في كلامهم ، بخلاف انتصابها في قوله : وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ [ التوبة : 13 ] وفي قوله : إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [ التوبة : 80 ] كما تقدّم . و أَوَّلَ مَرَّةٍ هي غزوة تبوك التي تخلّفوا عنها . وأفعل التفضيل إذا أضيف إلى نكرة اقتصر على الإفراد والتذكير ولو كان المضاف إليه غير مفرد ولا مذكر لأنّ في المضاف إليه دلالة على المقصود كافية . والفاء في فَاقْعُدُوا تفريع على إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ ، أي لمّا اخترتم القعود لأنفسكم فاقعدوا الآن لأنّكم تحبّون التخلّف . و الْخالِفِينَ جمع خالف وهو الذي يخلف الغازي في أهله وكانوا يتركون لذلك . من لا غناء له في الحرب . فكونهم مع الخالفين تعيير لهم . [ 84 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 84 ] وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ ( 84 ) لمّا انقضى الكلام على الاستغفار للمنافقين الناشئ ، عن الاعتذار والحلف الكاذبين وكان الإعلام بأن اللّه لا يغفر لهم مشوبا بصورة التخيير في الاستغفار لهم ، وكان ذلك يبقي شيئا من طمعهم في الانتفاع بالاستغفار لأنّهم يحسبون المعاملة الربانية تجري على ظواهر الأعمال والألفاظ كما قدمناه في قوله : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ [ التوبة : 81 ] ، تهيّأ الحال للتصريح بالنهي عن الاستغفار لهم والصلاة على موتاهم ، فإنّ الصلاة على الميت استغفار . فجملة وَلا تُصَلِّ عطف على جملة اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [ التوبة : 80 ] عطف كلام مراد إلحاقه بكلام آخر لأنّ القرآن ينزل مراعى فيه مواقع وضع الآي . وضمير مِنْهُمْ عائد إلى المنافقين الذين عرفوا بسيماهم وأعمالهم الماضية الذكر .