الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

168

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فتعيّن أنّ الخبر مستعمل في التذكير بما هو معلوم تعريضا بتجهيلهم لأنّهم حذروا من حرّ قليل وأقحموا أنفسهم فيما يصير بهم إلى حرّ أشدّ . فيكون هذا التذكير كناية عن كونهم واقعين في نار جهنّم لأجل قعودهم عن الغزو في الحرّ ، وفيه كناية عرضية عن كونهم صائرين إلى نار جهنّم . وجملة : لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ تتميم ، للتجهيل والتذكير ، أي يقال لهم ذلك لو كانوا يفقهون الذكرى ، ولكنّهم لا يفقهون ، فلا تجدي فيهم الذكرى والموعظة ، إذا ليس المراد لو كانوا يفقهون أنّ نار جهنم أشدّ حرّا لأنّه لا يخفى عليهم ولو كانوا يفقهون أنّهم صائرون إلى النار ولكنّهم لا يفقهون ذلك . [ 82 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 82 ] فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 82 ) تفريع كلام على الكلام السابق من ذكر فرحهم ، ومن إفادة قوله : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا [ التوبة : 81 ] من التعريض بأنّهم أهلها وصائرون إليها . والضحك هنا كناية عن الفرح أو أريد ضحكهم فرحا لاعتقادهم ترويج حيلتهم على النبي صلى اللّه عليه وسلم إذ أذن لهم بالتّخلّف . والبكاء : كناية عن حزنهم في الآخرة فالأمر بالضحك وبالبكاء مستعمل في الإخبار بحصولهما قطعا إذ جعلا من أمر اللّه أو هو أمر تكوين مثل قوله : فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا [ البقرة : 243 ] والمعنى أنّ فرحهم زائل وأنّ بكاءهم دائم . والضحك : كيفية في الفم تتمدّد منها الشفتان وربّما أسفرتا عن الأسنان وهي كيفية تعرض عند السرور والتعجّب من الحسن . والبكاء : كيفية في الوجه والعينين تنقبض بها الوجنتان والأسارير والأنف . ويسيل الدمع من العينين ، وذلك يعرض عند الحزن والعجز عن مقاومة الغلب . وقوله : جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ حال من ضميرهم ، أي جزاء لهم ، والمجعول جزاء هو البكاء المعاقب للضحك القليل لأنّه سلب نعمة بنقمة عظيمة . وما كانوا يكسبون هو أعمال نفاقهم ، واختير الموصول في التعبير عنه لأنّه أشمل مع الإيجاز . وفي ذكر فعل الكون ، وصيغة المضارع في يَكْسِبُونَ ما تقدّم في قوله : وَلكِنْ