الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

165

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إمّا أن تكون لا نافية ويكون جزم الفعل بعدها لكونه معطوفا على فعل الأمر فإن فعل الأمر مجزوم بلام الأمر المقدرة على التحقيق وهو مذهب الكوفيين واختاره الأخفش من البصريين ، وابن هشام الأنصاري وأبو علي بن الأحوص ، شيخ أبي حيّان ، وهو الحقّ لأنّه لو كان مبنيا للزم حالة واحدة ، ولأنّ أحوال آخره جارية على أحوال علامات الجزم فلا يبعد أن يكون ذلك التقدير ملاحظا في كلامهم فيعطف عليه بالجزم على التوهّم . ولا يصح كون هذا من عطف الجمل لأنّه لا وجه لجزم الفعل لو كان كذلك ، لا سيما والأمر مؤول بالخبر ، ثم إنّ ما أفاده حرف التخيير قد دلّ على تخيير المخاطب في أحد الأمرين مع انتفاء الفائدة على كليهما . وإمّا أن تكون صيغة النهي استعملت لمعنى التسوية لأنّها قارنت الأمر الدالّ على إرادة التسوية ويكون المعنى : أمرك بالاستغفار لهم ونهيك عنه سواء ، وذلك كناية عن كون الآمر والناهي ليس بمغيّر مراده فيهم سواء فعل المأمور أو فعل المنهي ويجوز أن يكون الفعلان معمولين لفعل قول محذوف . والتقدير : نقول لك : استغفر لهم ، أو نقول لا تستغفر لهم . و سَبْعِينَ مَرَّةً غير مراد به المقدار من العدد بل هذا الاسم من أسماء العدد التي تستعمل في معنى الكثرة . قال « الكشاف » : « السبعون جار مجرى المثل في كلامهم للتكثر » . ويدل له قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « لو أعلم أنّي لو زدت على السبعين غفر له لزدت » . وهو ما رواه البخاري والترمذي من حديث عمر بن الخطاب . وأمّا ما رواه البخاري من حديث أنس بن عياض وأبي أسامة عن عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « وسأزيد على السبعين » فهو توهم من الراوي لمنافاته رواية عمر بن الخطاب ، ورواية عمر أرجح لأنّه صاحب القصّة ، ولأنّ تلك الزيادة لم ترو من حديث يحيى بن سعيد عن عبيد اللّه عن نافع عن ابن عمر عند الترمذي وابن ماجة والنسائي . وانتصب سَبْعِينَ مَرَّةً على المفعولية المطلقة لبيان العدد . وتقدّم الكلام على لفظ مرّة عند قوله تعالى : وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ في هذه السورة [ 13 ] . وضمائر الغيبة راجعة إلى المنافقين الذين علم اللّه نفاقهم وأعلم نبيئه - عليه الصلاة والسلام - بهم . وكان المسلمون يحسبونهم مسلمين اغترارا بظاهر حالهم . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم يجري عليهم أحكام ظاهر حالهم بين عامّة المسلمين ، والقرآن ينعتهم بسيماهم كيلا يطمئنّ لهم المسلمون وليأخذوا الحذر منهم ، فبذلك قضي حقّ المصالح كلّها .