الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

157

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الْكُفْرِ ، ولم يكن لما بعده مزيد اتّصال به . وأيّا ما كان فالجملة مستحقّة الفصل دون العطف . ومفعول ما قالوا محذوف دلّ عليه قوله : وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ . وأكّد صدور كلمة الكفر منهم ، في مقابلة تأكيدهم نفي صدورها ، بصيغة القسم ليكون تكذيب قولهم مساويا لقولهم في التأكيد . وكلمة الكفر الكلام الدالّ عليه ، وأصل الكلمة اللفظ الواحد الذي يتركّب منه ومن مثله الكلام المفيد ، وتطلق الكلمة على الكلام إذا كان كلاما جامعا موجزا كما في قوله تعالى : كَلَّا إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها [ المؤمنون : 8 ] وفي الحديث : « أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد : ألا كلّ شيء ما خلا اللّه باطل » . فكلمة الكفر جنس لكلّ كلام فيه تكذيب النبي صلى اللّه عليه وسلم ، كما أطلقت كلمة الإسلام على شهادة أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه . فالكلمات الصادرة عنهم على اختلافها ، ما هي إلّا أفراد من هذا الجنس كما دلّ عليه إسناد القول إلى ضمير جماعة المنافقين . فعن قتادة : لا علم لنا بأنّ ذلك من أيّ إذ كان لا خبر يوجب الحجّة ونتوصّل به إلى العلم . وقيل : المراد كلمة صدرت من بعض المنافقين تدلّ على تكذيب النبي صلى اللّه عليه وسلم فعن عروة بن الزبير ، ومجاهد ، وابن إسحاق أنّ الجلاس - بضم الجيم وتخفيف اللام - بن سويد بن الصامت قال : لئن كان ما يقول محمد حقّا لنحن أشرّ من حميرنا هذه التي نحن عليها ، فأخبر عنه ربيبه النبي فدعاه النبي وسأله عن مقالته ، فحلف باللّه ما قال ذلك ، وقيل : بل نزلت في عبد اللّه بن أبي بن سلول لقوله الذي حكاه اللّه عنه بقوله : يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [ المنافقون : 8 ] فسعى به رجل من المسلمين فأرسل إليه رسول اللّه فسأله فجعل يحلف باللّه ما قال ذلك . فعلى هذه الروايات يكون إسناد القول إلى ضمير جمع كناية عن إخفاء اسم القائل كما يقال ما بال أقوام يفعلون كذا . وقد فعله واحد ، أو باعتبار قول واحد وسماع البقية فجعلوا مشاركين في التبعة كما يقال : بنو فلان قتلوا فلانا وإنّما قتله واحد من القبيلة ، وعلى فرض صحّة وقوع كلمة من واحد معيّن فذلك لا يقتضي أنّه لم يشاركه فيها غيره لأنّهم كانوا يتآمرون على ما يختلقونه . وكان ما يصدر من واحد منهم يتلقفه جلساؤه