الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

155

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وهذه الآية إيذان للمنافقين بأنّ النفاق يوجب جهادهم قطعا لشأفتهم من بين المسلمين ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يعلمهم ويعرّفهم لحذيفة بن اليمان ، وكان المسلمون يعرفون منهم من تكرّرت بوادر أحواله ، وفلتات مقاله . وإنّما كان النبي ممسكا عن قتلهم سدّا لذريعة دخول الشكّ في الأمان على الداخلين في الإسلام كما قال لعمر : « لا يتحدّث الناس أنّ محمّدا يقتل أصحابه » لأنّ العامّة والغائبين عن المدينة لا يبلغون بعلمهم إلى معرفة حقائق الأمور الجارية بالمدينة ، فيستطيع دعاة الفتنة أن يشوّهوا الأعمال النافعة بما فيها من صورة بشيعة عند من لا يعلم الحقيقة ، فلمّا كثر الداخلون في الإسلام واشتهر من أمان المسلمين ما لا شكّ معه في وفاء المسلمين ، وشاع من أمر المنافقين وخيانتهم ما تسامعته القبائل وتحقّقه المسلم والكافر ، تمحّضت المصلحة في استئصال شافتهم ، وانتفت ذريعة تطرّق الشكّ في أمان المسلمين ، وعلم اللّه أنّ أجل رسوله عليه الصلاة والسلام قد اقترب ، وأنّه إن بقيت بعده هذه الفئة ذات الفتنة تفاقم أمرها وعسر تداركها ، واقتدى بها كلّ من في قلبه مرض ، لا جرم آذنهم بحرب ليرتدعوا ويقلعوا عن النفاق . والذي يوجب قتالهم أنّهم صرّحوا بكلمات الكفر ، أي صرّح كلّ واحد بما يدلّ على إبطانه الكفر وسمعها الآخرون فرضوا بها ، وصدرت من فريق منهم أقوال وأفعال تدلّ على أنّهم مستخفون بالدين ، وقد توفّي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقرب نزول هذه الآية . ولعلّ من حكمة الإعلام بهذا الجهاد تهيئة المسلمين لجهاد كلّ قوم ينقضون عرى الإسلام وهم يزعمون أنّهم مسلمون ، كما فعل الذين منعوا الزكاة وزعموا أنّهم لم يكفروا وإنّما الزكاة حقّ الرسول في حياته ، وما ذلك إلّا نفاق من قادتهم اتّبعه دهماؤهم ، ولعلّ هذه الآية كانت سببا في انزجار معظم المنافقين عن النفار وإخلاصهم الإيمان كما ورد في قصّة الجلاس بن سويد . وكان قد كفى اللّه شرّ متولّي كبر النفاق عبد اللّه بن أبي بن سلول بموته فكان كلّ ذلك كافيا عن إعمال الأمر بجهادهم في هذه الآية وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ [ الأحزاب : 25 ] . وهذه الآية تدلّ على التكفير بما يدلّ على الكفر من قائله أو فاعله دلالة بيّنة ، وإن لم يكن أعلن الكفر . وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أمر بأن يكون غليظا معهم . والغلظة يأتي معناها عند قوله : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً في هذه السورة [ 123 ] . وإنّما وجه هذا الأمر إلى الرسول - عليه الصلاة والسلام - لأنّه جبل على الرحمة