الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
153
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يتخلّف . وقد تقدّم نظيره آنفا في قوله : وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ [ التوبة : 68 ] . والإظهار في مقام الإضمار دون أن يقال : وعدهم اللّه : لتقريرهم في ذهن السامع ليتمكّن تعلّق الفعل بهم فضل تمكّن في ذهن السامع . وتقدّم الكلام على نحو قوله : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ عند قوله تعالى : وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ في سورة البقرة [ 25 ] . وعطف وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ على جَنَّاتٍ للدلالة على أن لهم في الجنّات قصورا ومساكن طيّبة ، أي ليس فيها شيء من خبث المساكن من الأوساخ وآثار علاج الطبخ ونحوه نظير قوله : وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ [ البقرة : 25 ] . و ( العدن ) : الخلد والاستقرار المستمرّ ، فجنّات عدن هي الجنات المذكورة قبل ، فذكرها بهذا اللفظ من الإظهار في مقام الإضمار مع التفنّن في التعبير والتنويه بالجنّات ، ولذلك لم يقل : ومساكن طيبة فيها . وجملة : وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ معطوفة على جملة وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ . والرضوان - بكسر الراء - ويجوز ضمها . وكسر الراء لغة أهل الحجاز ، وضمّها لغة تميم . وقرأه الجمهور - بكسر الراء - وقرأه أبو بكر عن عاصم بضمّ الراء ونظيره بالكسر قليل في المصادر ذات الألف والنون . وهو مصدر كالرضى وزيادة الألف والنون فيه تدلّ على قوته ، كالغفران والشكران . والتنكير في رِضْوانٌ للتنويع ، يدلّ على جنس الرضوان ، وإنّما لم يقرن بلام تعريف الجنس ليتوسّل بالتنكير إلى الإشعار بالتعظيم فإنّ رضوان اللّه تعالى عظيم . و أَكْبَرُ تفضيل لم يذكر معه المفضّل عليه لظهوره من المقام ، أي أكبر من الجنّات لأنّ رضوان اللّه أصل لجميع الخيرات . وفيه دليل على أنّ السعادات الروحانية أعلى وأشرف من الجثمانية . و ذلِكَ إشارة إلى جميع ما ذكر من الجنّات والمساكن وصفاتهما والرضوان الإلهي .