الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

130

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الطريق الذي أتى به ، ولم يكن مولودا في القوم ، فلهذا المعنى أطلق عليه لفظ ابن السبيل . ولفقهاء الأمّة في الأحكام المستمدّة من هذه الآية طرائق جمّة ، وأفهام مهمّة ، ينبغي أن نلمّ بالمشهور منها بما لا يفضي بنا إلى الإطالة ، وإنّ معانيها لأوفر ممّا تفي به المقالة . فأمّا ما يتعلّق بجعل الصدقات لهؤلاء الأصناف فبقطع النظر عن حمل اللام في قوله : لِلْفُقَراءِ على معنى الملك أو الاستحقاق ، فقد اختلف العلماء في استحقاق المستحقّين من هذه الصدقات هل يجب إعطاء كلّ صنف مقدارا من الصدقات ، وهل تجب التسوية بين الأصناف فيما يعطى كلّ صنف من مقدارها ، والذي عليه جمهور العلماء أنّه لا يجب الإعطاء لجميع الأصناف ، بل التوزيع موكول لاجتهاد ولاة الأمور يضعونها على حسب حاجة الأصناف وسعة الأموال ، وهذا قول عمر بن الخطاب ، وعلي ، وحذيفة ، وابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وأبي العالية ، والنخعي ، والحسن ، ومالك ، وأبي حنيفة . وعن مالك أنّ ذلك ممّا أجمع عليه الصحابة ، قال ابن عبد البر : ولا نعلم مخالفا في ذلك من الصحابة ، وعن حذيفة . إنّما ذكر اللّه هذه الأصناف لتعرف وأيّ صنف أعطيت منها أجزأك . قال الطبري : الصدقة لسدّ خلّة المسلمين أو لسدّ خلّة الإسلام ، وذلك مفهوم من مآخذ القرآن في بيان الأصناف وتعدادهم . قلت وهذا الذي اختاره حذّاق النظّار من العلماء ، مثل ابن العربي ، وفخر الدين الرازي . وذهب عكرمة ، والزهري ، وعمر بن عبد العزيز ، والشافعي : إلى وجوب صرف الصدقات لجميع الأصناف الثمانية لكلّ صنف ثمن الصدقات فإن انعدم أحد الأصناف قسمت الصدقات إلى كسور بعدد ما بقي من الأصناف . واتّفقوا على أنّه لا يجب توزيع ما يعطى إلى أحد الأصناف على جميع أفراد ذلك الصنف . وأمّا ما يرجع إلى تحقيق معاني الأصناف ، وتحديد صفاتها : فالأظهر في تحقيق وصف الفقير والمسكين أنّه موكول إلى العرف ، وأنّ الخصاصة متفاوتة وقد تقدّم آنفا . واختلف العلماء في ضبط المكاسب التي لا يكون صاحبها فقيرا ، واتّفقوا على أن دار السكنى والخادم لا يعدّان مالا يرفع عن صاحبه وصف الفقر . وأمّا القدرة على التكسّب ، فقيل : لا يعدّ القادر عليه فقيرا ولا يستحقّ الصدقة بالفقر وبه قال الشافعي ، وأبو ثور ، وابن خويزمنداد ، ويحيى بن عمر من المالكية . . . ورويت