الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

126

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ودلّت إِذا الفجائية على أنّ سخطهم أمر يفاجئ العاقل حين يشهده لأنّه يكون في غير مظنّة سخط ، وشأن الأمور المفاجئة أن تكون غريبة في بابها . [ 59 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 59 ] وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ( 59 ) جملة معطوفة على جملة : وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ [ التوبة : 58 ] باعتبار ما تفرّع عليها من قوله : فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ [ التوبة : 58 ] عطفا ينبئ عن الحالة المحمودة ، بعد ذكر الحالة المذمومة . وجواب لَوْ محذوف دلّ عليه المعطوف عليه ، وتقديره : لكان ذلك خيرا لهم . والإيتاء : الإعطاء ، وحقيقته إعطاء الذوات ويطلق مجازا على تعيين المواهب كما في وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ [ البقرة : 251 ] وفي ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ [ المائدة : 54 ] . وقوله : ما آتاهُمُ اللَّهُ من هذا القبيل ، أي ما عيّنه لهم ، أي لجماعتهم من الصدقات ينوطها بأوصاف تحقّقت فيهم كقوله : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ [ التوبة : 60 ] الآية . وإيتاء الرسول صلى اللّه عليه وسلم : إعطاؤه المال لمن يرى أن يعطيه ممّا جعل اللّه له التصرّف فيه ، مثل النفل في المغانم ، والسلب ، والجوائز ، والصلات ، ونحو ذلك ، ومنه إعطاؤه من جعل اللّه لهم الحقّ في الصدقات . ويجوز أن يكون إيتاء اللّه عين إيتاء الرسول - عليه الصلاة والسلام - وإنّما ذكر إيتاء اللّه للإشارة إلى أنّ ما عينه لهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم هو ما عيّنه اللّه لهم ، كما في قوله : سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ أي ما أوحى اللّه به إلى رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يعطيهم وقوله : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ [ الأنفال : 1 ] . وحسب : اسم بمعنى الكافي ، والكفاية تستعمل بمعنى الاجتزاء ، وتستعمل بمعنى ولي مهمّ المكفي ، كما في قوله تعالى : وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وهي هنا من المعنى الأول . ورضي إذا تعدّى إلى المفعول دلّ على اختيار المرضيّ ، وإذا عدّي بالباء دلّ على أنّه صار راضيا بسبب ما دخلت عليه الباء ، كقوله : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [ التوبة : 38 ] . وإذا عدّي ب ( عن ) فمعناه أنّه تجاوز عن تقصيره أو عن ذنبه فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ