الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
122
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
نفوسهم شحّا وحرصا على المال وفتنة بتوفيره والإشفاق من ضياعه ، فجعلهم بسبب ذلك في عناء وعذاب من جرّاء أموالهم ، فهم في كبد من جمعها . وفي خوف عليها من النقصان ، وفي ألم من إنفاق ما يلجئهم الحال إلى إنفاقه منها ، فقد أراد اللّه تعذيبهم في الدنيا بما الشأن أن يكون سبب نعيم وراحة ، وتمّ مراده . وهذا من أشدّ العقوبات الدنيوية وهذا شأن البخلاء وأهل الشحّ مطلقا ، إلّا أنّ المؤمنين منهم لهم مسلاة عن الرزايا بما يرجون من الثواب على الإنفاق أو على الصبر . ثم يجوز أن يكون هذا الخلق قد جبلهم اللّه عليه من وقت وجودهم فيكون ذلك من جملة بواعث كفرهم ونفاقهم ، إذ الخلق السيّئ يدعو بعضه بعضا ، فإنّ الكفر خلق سيّئ فلا عجب أن تنساق إليه نفس البخيل الشحيح ، والنفاق يبعث عليه الخلق السيّئ من الجبن والبخل ، ليتّقي صاحبه المخاطر ، وكذلك الشأن في أولادهم إذ كانوا في فتنة من الخوف على إيمان بعض أولادهم ، وعلى خلاف بينهم وبين بعض أولادهم الموفّقين إلى الإسلام : مثل حنظلة : ابن أبي عامر الملقّب غسيل الملائكة ، وعبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي فكان ذلك من تعذيب أبويهما . ولكون ذكر الأولاد كالتكملة هنا لزيادة بيان عدم انتفاعهم بكلّ ما هو مظنّة أن ينتفع به الناس ، عطف الأولاد بإعادة حرف النفي بعد العاطف ، إيماء إلى أنّ ذكرهم كالتكملة والاستطراد . واللام في لِيُعَذِّبَهُمْ للتعليل : تعلّقت بفعل الإرادة للدلالة على أنّ المراد حكمة وعلّة فتغني عن مفعول الإرادة ، وأصل فعل الإرادة أن يعدّى بنفسه كقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [ البقرة : 185 ] ويعدّى غالبا باللام كما في هذه الآية وقوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ في سورة النساء [ 26 ] وقول كثيّر : أريد لأنسى حبّها فكأنما * تمثّل لي ليلى بكلّ مكان وربما عدّوه باللام وكي مبالغة في التعليل كقول قيس بن عبادة : أردت لكيما يعلم الناس أنّها * سراويل قيس والوفود شهود وهذه اللام كثير وقوعها بعد مادة الإرادة ومادة الأمر . وبعض القرّاء سمّاها ( لام أن ) - بفتح الهمزة - وتقدم عند قوله تعالى : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ في سورة النساء [ 26 ] . فقوله : فِي الْحَياةِ الدُّنْيا متعلّق ب لِيُعَذِّبَهُمْ ومحاولة التقديم والتأخير تعسّف وعطف وَتَزْهَقَ على لِيُعَذِّبَهُمْ باعتبار كونه أراده اللّه لهم عندما رزقهم الأموال