الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

120

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

[ 53 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 53 ] قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ ( 53 ) ابتداء كلام هو جواب عن قول بعض المستأذنين منهم في التخلّف « وأنا أعينك بمالي » . روي أنّ قائل ذلك هو الجدّ بن قيس ، أحد بني سلمة ، الذي نزل فيه قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي [ التوبة : 49 ] كما تقدّم ، وكان منافقا . وكأنّهم قالوا ذلك مع شدّة شحّهم لأنّهم ظنّوا أنّ ذلك يرضي النبي صلى اللّه عليه وسلم عن قعودهم عن الجهاد . وقوله : طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي بمال تبذلونه عوضا عن الغزو ، أو بمال تنفقونه طوعا مع خروجكم إلى الغزو ، فقوله : طَوْعاً إدماج لتعميم أحوال الإنفاق في عدم القبول فإنّهم لا ينفقون إلّا كرها لقوله تعالى بعد هذا : وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ [ التوبة : 54 ] . والأمر في أَنْفِقُوا للتسوية أي : أنفقوا أو لا تنفقوا ، كما دلّت عليه أَوْ في قوله طَوْعاً أَوْ كَرْهاً وهو في معنى الخبر الشرطيّ لأنّه في قوة أن يقال : لن يتقبّل منكم إن أنفقتم طوعا أو أنفقتم كرها ، ألا ترى أنّه قد يجيء بعد أمثاله الشرط في معناه كقوله تعالى : اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [ التوبة : 80 ] . والكره أشدّ الإلزام ، وبينه وبين الطوع مراتب تعلم إرادتها بالأولى ، وانتصب طَوْعاً أَوْ كَرْهاً على النيابة عن المفعول المطلق بتقدير : إنفاق طوع أو إنفاق كره . ونائب فاعل يتقبّل : هو مِنْكُمْ أي لا يتقبّل منكم شيء وليس المقدّر الإنفاق المأخوذ من أَنْفِقُوا بل المقصود العموم . وجملة إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ في موضع العلّة لنفي التقبّل ، ولذلك وقعت فيها ( إنّ ) المفيدة لمعنى فاء التعليل ، لأنّ الكافر لا يتقبّل منه عمل البرّ . والمراد بالفاسقين : الكافرون ، ولذلك أعقب بقوله : وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [ التوبة : 54 ] . وإنّما اختير وصف الفاسقين دون الكافرين لأنّهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ، فكانوا كالمائلين عن الإسلام إلى الكفر . والمقصود من هذا تأييسهم من الانتفاع بما بذلوه من أموالهم ، فلعلّهم كانوا يحسبون أنّ الإنفاق في الغزو ينفعهم على تقدير صدق دعوة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وهذا من شكّهم في أمر الدين ، فتوهّموا أنّهم يعملون