الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

113

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا [ الإسراء : 73 ] فلا أراهم كتبوا ألفا بعد اللام ألف فيما كتبوها فيه إلّا لمقصد ، ولعلّهم أرادوا التنبيه على أنّ الهمزة مفتوحة وعلى أنّها همزة قطع . وجملة يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ في موضع الحال من ضمير وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ [ التوبة : 46 ] العائد على الذين لا يؤمنون باللّه في قوله تعالى : إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [ التوبة : 45 ] المراد بهم المنافقون كما تقدّم . وبغى يتعدّى إلى مفعول واحد لأنّه بمعنى طلب ، وتقدّم في قوله تعالى : أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ في سورة آل عمران [ 83 ] . وعدّي يَبْغُونَكُمُ إلى ضمير المخاطبين هنا على طريقة نزع الخافض ، وأصله يبغون لكم الفتنة . وهو استعمال شائع في فعل بغي بمعنى طلب . والفتنة : اختلال الأمور وفساد الرأي ، وتقدّمت في قوله : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ في سورة المائدة [ 71 ] . وقوله : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي في جماعة المسلمين ، أي من بين المسلمين سَمَّاعُونَ لَهُمْ فيجوز أن يكون هؤلاء السماعون مسلمين يصدقون ما يسمعونه من المنافقين . ويجوز أن يكون السماعون منافقين مبثوثين بين المسلمين . وهذه الجملة اعتراض للتنبيه على أنّ بغيهم الفتنة أشدّ خطرا على المسلمين لأنّ في المسلمين فريقا تنطلي عليهم حيلهم ، وهؤلاء هم سذج المسلمين الذين يعجبون من أخبارهم ويتأثّرون ولا يبلغون إلى تمييز التمويهات والمكائد عن الصدق والحقّ . وجاء سَمَّاعُونَ بصيغة المبالغة للدلالة على أنّ استماعهم تامّ وهو الاستماع الذي يقارنه اعتقاد ما يسمع كقوله : سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ [ المائدة : 41 ] وعن الحسن ، ومجاهد ، وابن زيد : معنى سَمَّاعُونَ لَهُمْ ، أي جواسيس يستمعون الأخبار وينقلونها إليهم ، وقال قتادة وجمهور المفسّرين : معناه وفيكم من يقبل منهم قولهم ويطيعهم ، قال النحاس الأغلب أن معنى سماع يسمع الكلام ومثله سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ * [ المائدة : 41 ] . وأمّا من يقبل ما يسمعه فلا يكاد يقال فيه إلّا سامع مثل قائل . وجيء بحرف ( في ) من قوله : وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ الدالّ على الظرفية دون حرف ( من ) فلم يقل ومنكم سمّاعون لهم أو ومنهم سماعون ، لئلا يتوهّم تخصيص السماعين بجماعة من أحد الفريقين دون الآخر لأنّ المقصود أنّ السماعين لهم فريقان فريق من