الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
110
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الارتياب وقد دلّ هذا على أنّ المقصود من صلة الموصول في قوله : الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ . هو قوله : وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ . لأنّه المنتج لانحصار الاستئذان فيهم . و فِي رَيْبِهِمْ ظرف مستقرّ ، خبر عن ضمير الجماعة ، والظرفية مجازية مفيدة إحاطة الريب بهم ، أي تمكّنه من نفوسهم ، وليس قوله : فِي رَيْبِهِمْ متعلّقا ب يَتَرَدَّدُونَ . والتردّد حقيقته ذهاب ورجوع متكرر إلى محلّ واحد ، وهو هنا تمثيل لحال المتحيّر بين الفعل وعدمه بحال الماشي والراجع . وقريب منه قولهم : يقدّم رجلا ويؤخر أخرى . والمعنى : أنّهم لم يعزموا على الخروج إلى الغزو . وفي هذه الآية تصريح للمنافقين بأنّهم كافرون ، وأنّ اللّه أطلع رسوله - عليه الصلاة والسلام - والمؤمنين على كفرهم ، لأنّ أمر استئذانهم في التخلّف قد عرفه الناس . [ 46 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 46 ] وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ ( 46 ) عطف على جملة فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [ التوبة : 45 ] لأنّ معنى المعطوف عليها : أنّهم لم يريدوا الخروج إلى الغزو ، وهذا استدلال على عدم إرادتهم الخروج إذ لو أرادوه لأعدّوا له عدّته . وهذا تكذيب لزعمهم أنّهم تهيّئوا للغزو ثم عرضت لهم الأعذار فاستأذنوا في القعود لأنّ عدم إعدادهم العدّة للجهاد دلّ على انتفاء إرادتهم الخروج إلى الغزو . والعدّة بضم العين : ما يحتاج إليه من الأشياء ، كالسلاح للمحارب ، والزاد للمسافر ، مشتقّة من الإعداد وهو التهيئة . والخروج تقدّم آنفا . والاستدراك في قوله : وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ استدراك على ما دلّ عليه شرط لَوْ من فرض إرادتهم الخروج تأكيد الانتفاء وقوعه بإثبات ضدّه ، وعبّر عن ضدّ الخروج بتثبيط اللّه إياهم لأنّه في السبب الإلهي ضدّ الخروج فعبّر به عن مسبّبه ، واستعمال الاستدراك كذلك بعد لَوْ استعمال معروف في كلامهم كقول أبيّ بن سلمى الضّبّي : فلو طار ذو حافر قبلها * لطارت ولكنّه لم يطر وقول الغطمّش الضبي :