الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
105
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإبهام خَيْرٌ لقصد توقّع خير الدنيا والآخرة من شعب كثيرة أهمها الاطمئنان من أن يغزوهم الروم ولذلك عقب بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أي إن كنتم تعلمون ذلك الخير وشعبه . وفي اختيار فعل العلم دون الإيمان مثلا للإشارة إلى أنّ من هذا الخير ما يخفى فيحتاج متطلّب تعيين شعبه إلى اعمال النظر والعلم . [ 42 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 42 ] لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ( 42 ) استئناف لابتداء الكلام على حال المنافقين وغزوة تبوك حين تخلّفوا واستأذن كثير منهم في التخلّف واعتلّوا بعلل كاذبة ، وهو ناشئ عن قوله : ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ [ التوبة : 38 ] . وانتقل من الخطاب إلى الغيبة لأنّ المتحدّث عنهم هنا بعض المتثاقلين لا محالة بدليل قوله بعد هذا إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ [ التوبة : 45 ] . ومن هذه الآيات ابتدأ إشعار المنافقين بأنّ اللّه أطلع رسوله صلى اللّه عليه وسلم على دخائلهم . والعرض ما يعرض للناس من متاع الدنيا وتقدّم في قوله تعالى : يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى في سورة الأعراف [ 169 ] وقوله : تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا في سورة الأنفال [ 67 ] والمراد به الغنيمة . والقريب : الكائن على مسافة قصيرة ، وهو هنا مجاز في السهل حصوله . و قاصِداً أي وسطا في المسافة غير بعيد . واسم كان محذوف دلّ عليه الخبر : أي لو كان العرض عرضا قريبا ، والسفر سفرا متوسّطا ، أو : لو كان ما تدعوهم إليه عرضا قريبا وسفرا . والشّقة - بضمّ الشين - المسافة الطويلة . وتعدية بَعُدَتْ - بحرف ( على ) لتضمّنه معنى ثقلت ، ولذلك حسن الجمع بين فعل بَعُدَتْ وفاعله الشُّقَّةُ مع تقارب معنييهما ، فكأنّه قيل : ولكن بعد منهم المكان لأنّه شقّة ، فثقل عليهم السفر ، فجاء الكلام موجزا . وقوله : وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يؤذن بأنّ الآية نزلت قبل الرجوع من غزوة تبوك ، فإنّ حلفهم إنّما كان بعد الرجوع وذلك حين استشعروا أنّ الرسول - عليه الصلاة والسلام - ظان كذبهم في أعذارهم .