الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
101
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالصحبة ، وهي المعية في غالب الأحوال ، ومنه سمّيت الزوجة صاحبة ، كما تقدّم في قوله تعالى : وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ في سورة الأنعام [ 101 ] . وهذا القول صدر من النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبي بكر حين كانا مختفيين في غار ثور ، فكان أبو بكر حزينا إشفاقا على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يشعر به المشركون ، فيصيبوه بمضرّة ، أو يرجعوه إلى مكة . والمعية هنا : معية الإعانة والعناية ، كما حكى اللّه تعالى عن موسى وهارون : قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما [ طه : 46 ] - وقوله - إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ [ الأنفال : 12 ] . فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ . التفريع مؤذن بأنّ السكينة أنزلت عقب الحلول في الغار ، وأنّها من النصر ، إذ هي نصر نفساني ، وإنّما كان التأييد بجنود لم يروها نصرا جثمانيا . وليس يلزم أن يكون نزول السكينة عقب قوله : لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا بل إنّ قوله ذلك هو من آثار سكينة اللّه التي أنزلت عليه ، وتلك السكينة هي مظهر من مظاهر نصر اللّه إيّاه ، فيكون تقدير الكلام : فقد نصره اللّه فأنزل السكينة عليه وأيّده بجنود حين أخرجه الذين كفروا ، وحين كان في الغار ، وحين قال لصاحبه : لا تحزن إن اللّه معنا . فتلك الظروف الثلاثة متعلّقة بفعل نَصَرَهُ على الترتيب المتقدّم ، وهي كالاعتراض بين المفرّع عنه والتفريع ، وجاء نظم الكلام على هذا السبك البديع للمبادأة بالدلالة على أنّ النصر حصل في أزمان وأحوال ما كان النصر ليحصل في أمثالها لغيره لولا عناية اللّه به ، وأنّ نصره كان معجزة خارقا للعادة . وبهذا البيان تندفع الحيرة التي حصلت للمفسّرين في معنى الآية ، حتّى أغرب كثير منهم فأرجع الضمير المجرور من قوله : فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ إلى أبي بكر ، مع الجزم بأنّ الضمير المنصوب في أَيَّدَهُ راجع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم فنشأ تشتيت الضمائر ، وانفكاك الأسلوب بذكر حالة أبي بكر ، مع أنّ المقام لذكر ثبات النبي صلى اللّه عليه وسلم وتأييد اللّه إيّاه ، وما جاء ذكر أبي بكر إلّا تبعا لذكر ثبات النبي عليه الصلاة والسلام ، وتلك الحيرة نشأت عن جعل فَأَنْزَلَ اللَّهُ مفرّعا على إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ وألجأهم إلى تأويل قوله : وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها إنّها جنود الملائكة يوم بدر ، وكلّ ذلك وقوف مع ظاهر ترتيب الجمل ، مع الغفلة عن أسلوب النظم المقتضي تقديما وتأخيرا . والسكينة : اطمئنان النفس عند الأحوال المخوفة ، مشتقّة من السكون ، وقد تقدّم