الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
96
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الطيب ، ولتشهير من كانوا يسرون الكفر ويظهرون الإيمان ، وفي جمعه بهذه الكيفية تذليل لهم وإيلام ، إذ يجعل بعضهم على بعض حتى يصيروا ركاما . والركم : ضم شيء أعلى إلى أسفل منه ، وقد وصف السحاب بقوله : ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً [ النور : 43 ] . واسم الإشارة ب أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ للتنبيه على أن استحقاقهم الخبر الواقع عن اسم الإشارة كان بسبب الصفات التي ذكرت قبل اسم الإشارة ، فإن من كانت تلك حاله كان حقيقا بأنه قد خسر أعظم الخسران ، لأنه خسر منافع الدنيا ومنافع الآخرة . فصيغة القصر في قوله : هُمُ الْخاسِرُونَ هي للقصر الادعائي ، للمبالغة في اتصافهم بالخسران ، حتى يعد خسران غيرهم كلا خسران وكأنهم انفردوا بالخسران من بين الناس . [ 38 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 38 ] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ ( 38 ) جرى هذا الكلام على عادة القرآن في تعقيب الترهيب بالترغيب ، والوعيد بالوعد ، والعكس فأنذرهم بما أنذر ، وتوعّدهم بما توعد ثم ذكّرهم بأنهم متمكنون من التدارك وإصلاح ما أفسدوا ، فأمر اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم بأن يقول لهم ما يفتح لهم باب الإنابة . والجملة استيناف يصح جعله بيانيا لأن ما تقدم بين يديه من الوعيد وقلة الاكتراث بشأنهم ، وذكر خيبة مساعيهم ، مما يثير في أنفس بعضهم والسامعين أن يتساءلوا عما إذا بقي لهم مخلص ينجيهم من ورطتهم التي ارتبقوا فيها ، فأمر الرسول بأن يقول لهم هذا المقال ليريهم أن باب التوبة مفتوح ، والإقلاع في مكنتهم . وأسند الفعل في الجملة المحكية بالقول إلى ضمير الغائبين لأنه حكاية بالمعنى روعي فيها جانب المخاطب بالأمر تنبيها على أنه ليس حظه مجرد تبليغ مقالة ، فجعل حظه حظ لمخبر بالقضية الذي يراد تقررها لديه قبل تبليغها ، وهو إذا بلغ إليهم يبلغ إليهم ما أعلم به وبلغ إليه ، فيكون مخبرا بخبر وليس مجرد حامل لرسالة . والمراد بالانتهاء : الانتهاء عن شيء معلوم دل عليه وصف الكفر هنا وما تقدمه من أمثاله وآثاره من الانفاق للصد عن سبيل اللّه ، أي إن ينتهوا عن ذلك ، وإنما يكون الانتهاء