الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

88

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

في الاستغفار وتلقينا للتوبة زيادة في الإعذار لهم على معنى قوله : ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ [ النساء : 147 ] وقوله : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ [ الأنفال : 38 ] . وفي قوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ تعريض بأنه يوشك أن يعذبهم إن لم يستغفروا وهذا من الكناية العرضية . وجملة وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ حال مقدرة أي إذا استغفروا اللّه من الشرك وحسن موقعها هنا أنها جاءت قيدا لعامل منفي ، فالمعنى : وما كان اللّه معذبهم لو استغفروا . وبذلك يظهر أن جملة : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [ الأنفال : 34 ] صادفت محزها من الكلام أي لم يسلكوا يحول بينهم وبين عذاب اللّه ، فليس لهم أن ينتفي عنهم عذاب اللّه . وقد دلت الآية على فضيلة الاستغفار وبركته بإثبات بأن المسلمين أمنوا من العذاب الذي عذب اللّه به الأمم ؛ لأنهم استغفروا من الشرك باتباعهم الإسلام . روى الترمذي عن أبي موسى قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أنزل اللّه عليّ أمانين لأمتي وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار إلى يوم القيامة . [ 34 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 34 ] وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 34 ) عطف على قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [ الأنفال : 33 ] وهو ارتقاء في بيان أنهم أحقاء بتعذيب اللّه إياهم ، بيانا بالصراحة . و ما استفهامية ، والاستفهام إنكاري ، وهي في محل المبتدأ و لَهُمْ خبره ، واللام للاستحقاق والتقدير ما الذي ثبت لهم لأن ينتفي عنهم عذاب اللّه فكلمة ( ما ) اسم استفهام إنكاري ، والمعنى : لم يثبت لهم شيء . و أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ مجرور بلام جر محذوفة بعد ( إن ) على الشائع من حذف الجر مع ( أن ) والتقدير : أي شيء كان لهم في عدم تعذيبهم أي لم يكن شيء في عدم تعذيبهم أو من عدم تعذيبهم أي أنهم لا شيء يمنعهم من العذاب ، والمقصود الكناية عن استحقاقهم العذاب وحلوله بهم ، أو توقع حلوله بهم ، تقول العرب : ما لك أن لا تكرم ، أي : أنت