الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

79

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وعطف الأولاد على الأموال لاستيفاء أقوى دواعي الخيانة ، فإن غرض جمهور الناس في جمع الأموال أن يتركوها لأبنائهم من بعدهم ، وقد كثر قرن الأموال والأولاد في التحذير ، ونجده في القرآن ، قيل إن هاته الآية من جملة ما نزل في أبي لبابة . وجيء في الإخبار عن كون الأموال والأولاد فتنة بطريق القصر قصرا ادعائيا لقصد المبالغة في إثبات أنهم فتنة . وجعل نفس « الأموال والأولاد » فتنة لكثرة حدوث فتنة المرء من جراء أحوالهما ، مبالغة في التحذير من تلك الأحوال وما ينشأ عنها ، فكأن وجود الأموال والأولاد نفس الفتنة . وعطف قوله : وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ على قوله : أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ للإشارة إلى أن ما عند اللّه من الأجر على كف النفس عن المنهيات هو خير من المنافع الحاصلة عن اقتحام المناهي لأجل الأموال والأولاد . [ 29 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 29 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ( 29 ) استيناف ابتدائي متصل بالآيات السابقة ابتداء من قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ [ الأنفال : 20 ] الآية وما بعده من الآيات إلى هنا . وافتتح بالنداء للاهتمام ، كما تقدم آنفا . وخوطب المؤمنون بوصف الإيمان تذكيرا لهم بعهد الإيمان وما يقتضيه كما تقدم آنفا في نظائره ، وعقب التحذير من العصيان والتنبيه على سوء عواقبه ، بالترغيب في التقوى وبيان حسن عاقبتها وبالوعد بدوام النصر واستقامة الأحوال إن هم داموا على التقوى . ففعل الشرط مراد به الدوام ، فإنهم كانوا متقين ، ولكنهم لما حذروا من المخالفة والخيانة ناسب أن تفرض لهم الطاعة في مقابل ذلك . ولقد بدا حسن المناسبة إذ رتبت على المنهيات تحذيرات من شرور وأضرار من قوله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ [ الأنفال : 22 ] - وقوله - وَاتَّقُوا فِتْنَةً [ الأنفال : 25 ] الآية ، ورتب على التقوى : الوعد بالنصر ومغفرة الذنوب وسعة الفضل . والفرقان أصله مصدر كالشكران والغفران والبتان ، وهو ما يفرق أي يميز بين شيئين