الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
6
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
فِيكُمْ ضَعْفاً - إلى - مَعَ الصَّابِرِينَ [ الأنفال : 66 ] نزلت بعد نزول السورة بمدة طويلة ، كما روي عن ابن عباس ، وسيأتي تحقيقه هنالك . وقال جماعة من المفسرين إن آيات يا أَيُّهَا النبي حَسْبُكَ اللَّهُ - إلى - لا يَفْقَهُونَ [ الأنفال : 64 ، 65 ] نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل ابتداء القتال ، فتكون تلك الآية نزلت قبل نزول أول السورة . نزلت هذه السورة بعد سورة البقرة ، ثم قيل هي الثانية نزولا بالمدينة ، وقيل نزلت البقرة ثم آل عمران ثم الأنفال ، والأصح أنها ثانية السور بالمدينة نزولا بعد سورة البقرة . وقد بينت في المقدمات أن نزول سورة بعد أخرى لا يفهم منه أن التالية تنزل بعد انقضاء نزول التي قبلها ، بل قد يبتدأ نزول سورة قبل انتهاء السورة التي ابتدئ نزولها قبل ، ولعل سورة الأنفال قد انتهت قبل انتهاء نزول سورة البقرة ، لأن الأحكام التي تضمنتها سورة الأنفال من جنس واحد وهي أحكام المغانم والقتال ، وتفننت أحكام سورة البقرة أفانين كثيرة : من أحكام المعاملات الاجتماعية ، ومن الجائز أن تكون البقرة نزلت بعد نزولها بقليل سورة آل عمران ، وبعد نزول آل عمران بقليل نزلت الأنفال ، فكان ابتداء نزول الأنفال قبل انتهاء نزول البقرة وآل عمران . وفي « تفسير ابن عطية » عند قوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ من هذه السورة [ 33 ] قالت فرقة نزلت هذه الآية كلها بمكة قال ابن أبزى نزل قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بمكة إثر قولهم أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ [ الأنفال : 32 ] ونزل قوله : وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : 33 ] عند خروج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وقد بقي بمكة مؤمنون يستغفرون ، ونزل قوله : وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ [ الأنفال : 34 ] بعد بدر . وقد عدت السورة التاسعة والثمانين في عداد نزول سور القرآن في رواية جابر بن زيد عن ابن عباس ، وأنها نزلت بعد سورة آل عمران وقبل سورة الأحزاب . وعدد آيها ، في عدّ أهل المدينة . وأهل مكة وأهل البصرة : ست وسبعون ، وفي عدّ أهل الشام سبع وسبعون ، وفي عدّ أهل الكوفة خمس وسبعون . ونزولها بسبب اختلاف أهل بدر في غنائم يوم بدر وأنفاله ، وقيل : بسبب ما سأله بعض الغزاة النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يعطيهم من الأنفال ، كما سيأتي عند تفسير أول آية منها .