الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

30

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

« إذا قضى اللّه الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ما ذا قال ربكم قال للذي قال : الحق وهو العلي الكبير . والجمع المعرف بالإضافة يفيد العموم ، فقوله : بِكَلِماتِهِ يعم أنواع الكلام الذي يوحي به اللّه الدال على إرادته تثبيت الحق . مثل آيات القرآن المنزلة في قتال الكفار وما أمر به الملائكة من نصرتهم المسلمين يوم بدر . والباء في بِكَلِماتِهِ للسببية ، وذكر هذا القيد للتنويه بإحقاق هذا الحق وبيان أنه مما أراد اللّه ويسره وبينه للناس من الأمر ، ليقوم كل فريق من المأمورين بما هو حظه من بعض تلك الأوامر ، وللتنبيه على أن ذلك واقع لا محالة لأن كلمات اللّه لا تتخلف كما قال تعالى : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ [ الفتح : 15 ] ، ولمدح هذا الإحقاق بأنه حصل بسبب كلمات اللّه . وقطع دابر الشيء إزالة الشيء كله إزالة تأتي على آخر فرد منه يكون في مؤخرته من ورائه وتقدم في قوله فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا في سورة الأنعام [ 45 ] . والمعنى : أردتم الغنيمة وأراد اللّه إظهار أمركم وخضد شوكه عدوكم وإن كان ذلك يحرمكم الغنى العارض فإن أمنكم واطمئنان بالكم خير لكم وأنتم تحسبون أن لا تستطيعوا هزيمة عدوكم . واللام في قوله : لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ لام التعليل . وهي متعلقة بقوله وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ أي إنما أراد ذلك وكون أسبابه بكلماته لأجل تحقيقه الحق وإبطاله الباطل . وإذ قد كان محصول هذا التعليل هو عين محصول المعلل في قوله : وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وشان العلة أن تكون مخالفة للمعلل ، ولو في الجملة ، إذ فائدة التعليل إظهار الغرض الذي يقصده الفاعل من فعله ، فمقتضى الظاهر أن لا يكون تعليل الفعل بعين ذلك الفعل ، لأن السامع لا يجهل أن الفاعل المختار ما فعل فعلا إلا وهو مراد له ، فإذا سمعنا من كلام البليغ تعليل الفعل بنفس ذلك الفعل ، كان ذلك كناية عن كونه ما فعل ذلك الفعل إلا لذات الفعل ، لا لغرض آخر عائد عليه ، فإفادة التعليل حينئذ معنى الحصر حاصلة من مجرد التعليل بنفس المعلّل . والحصر هنا من مستتبعات التركيب ، وليس من دلالة اللفظ ، فافهمه فإنه دقيق وقد