الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
27
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وهذا التفسير أليق بالتشبيه لتحصل المخالفة المطلقة بين الحالة المشبهة والحالة المشبه بها ، وإلا فإن أمرهم بقتال العدو الكثير العدد ، وهم في قلة ، إرجاء بهم إلى الموت إلا أنه موت مظنون ، وبهذا التفسير يظهر حسن موقع جملة : وَهُمْ يَنْظُرُونَ أما المفسرون فتأولوا الموت في الآية بأنه الموت المتيقن فيكون التخالف بين المشبه والمشبه به تخالفا بالتقييد . وجملة : وَهُمْ يَنْظُرُونَ حال من ضمير يُساقُونَ ومفعول يَنْظُرُونَ محذوف دل عليه قوله : إِلَى الْمَوْتِ أي : وهم ينظرون الموت ، لأن حالة الخوف من الشيء المخوف إذا كان منظورا إليه تكون أشد منها لو كان يعلم أنه يساق إليه ولا يراه ، لأن للحس من التأثير على الإدراك ما ليس لمجرد التعقل ، وقريب من هذا المعنى قول جعفر بن علبة : يرى غمرات الموت ثم يزورها وفي عكسه في المسرة قوله تعالى : وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [ البقرة : 50 ] . [ 7 ، 8 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) الأحسن أن تكون وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ معطوفا على كَما أَخْرَجَكَ [ الأنفال : 5 ] عطف المفرد على المفرد فيكون المعطوف مشبها به التشبيه المفاد بالكاف والمعنى : كاخراجك اللّه من بيتك وكوقت يعدكم اللّه إحدى الطائفتين الآية واسم الزمان إذا أضيف إلى الجملة كانت الجملة في تأويل المفرد فتؤول بمصدر ، والتقدير : وكوقت وعد اللّه إحدى الطائفتين ، ف إِذْ اسم زمان متصرف مجرور بالعطف على مجرور كاف التشبيه ، وجعل صاحب « الكشاف » إِذْ مفعولا لفعل ( اذكر ) محذوف شأن إِذْ الواقعة في مفتتح القصص ، فيكون عطف جملة الأمر المقدر على جملة قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ [ الأنفال : 1 ] والمناسبة هي أن كلا القولين فيه توقيفهم على خطأ رأيهم وأن ما كرهوه هو الخير لهم . و « الطائفة » الجماعة من الناس ، وتقدم عند قوله فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ في سورة النساء [ 102 ] .