الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

20

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

إنما المؤمنون الذين إذا ذكر اللّه وجلت قلوبهم ، إنما المؤمنون الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا . وهكذا فمتى اختلت صفة من هذه الصفات اختل وصف الإيمان عن صاحبها ، فلذلك تعين أن يكون المراد من القصر المبالغة الآئلة إلى معنى قصر الإيمان الكامل على صاحب كل صلة من هذه الصلات ، وعلى صاحب الخبرين ، لظهور أن أصل الإيمان لا يسلب من أحد ذكر اللّه عنده فلا يجل قلبه ، فإن أدلة قطعية من أصول الدين تنافي هذا الاحتمال فتعين تأويل الْمُؤْمِنُونَ [ الأنفال : 2 ] على إرادة أصحاب الإيمان الكامل . [ 4 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 4 ] أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 4 ) جملة مؤكدة لمضمون جملة : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ [ الأنفال : 2 ] إلى آخرها ولذلك فصلت . وعرف المسند إليه بالإشارة لوقوعه عقب صفات لتدل الإشارة على أنهم أحرياء بالحكم المسند إلى اسم الإشارة من أجل تلك الصفات ، فكان المخبر عنهم قد تميزوا للسامع بتلك الصفات فصاروا بحيث يشار إليهم . وفي هذه الجملة قصر آخر يشبه القصر الذي قوله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [ الأنفال : 2 ] حيث قصر الإيمان مرة أخرى على أصحاب تلك الصفات ولكنه قرن هنا بما فيه بيان المقصور وهو أنهم المؤمنون الأحقاء بوصف الإيمان . والحق أصله مصدر حق بمعنى ثبت واستعمل استعمال الأسماء للشيء الثابت الذي لا شك فيه قال تعالى : وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [ النساء : 122 ] . ويطلق كثيرا ، على الكامل في نوعه ، الذي لا سترة في تحقق ماهية نوعه فيه ، كما يقول أحد لابنه البار به : أنت ابني حقا ، وليس يريد أن غيره من أبنائه ليسوا لرشدة ولكنه يريد أنت بنوتك واضحة آثارها ، ويطلق الحق على الصواب والحكمة فاسم الحق يجمع معنى كمال النوع . ولكل صيغة قصر : منطوق ومفهوم ، فمنطوقها هنا أن الذين جمعوا ما دلت عليه تلك الصلات هم مؤمنون حقا ، ومفهومها أن من انتفى عنه أحد مدلولات تلك الصلات لم