الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
172
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والمعنى : فعليكم نصرهم . والاستثناء في قوله : إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ استثناء من متعلّق النصر وهو المنصور عليهم ، ووجه ذلك أنّ الميثاق يقتضي عدم قتالهم إلّا إذا نكثوا عهدهم مع المسلمين ، وعهدهم مع المسلمين لا يتعلّق إلّا بالمسلمين المتميزين بجماعة ووطن واحد ، وهم يومئذ المهاجرون والأنصار ، فأمّا المسلمون الذين أسلموا ولم يهاجروا من دار الشرك فلا يتحمّل المسلمون تبعاتهم ، ولا يدخلون فيما جرّوه لأنفسهم من عداوات وإحن ، لأنّهم لم يصدروا عن رأي جماعة المسلمين ، فما ينشأ بين الكفار المعاهدين للمسلمين ، وبين المسلمين الباقين في دار الكفر لا يعدّ نكثا من الكفار لعهد المسلمين ، لأن من عذرهم أن يقولوا : لا نعلم حين عاهدناكم أنّ هؤلاء منكم ، لأنّ الإيمان لا يطلع عليه إلّا بمعاشرة ، وهؤلاء ظاهر حالهم مع المشركين يساكنونهم ويعاملونهم . وقوله : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تحذير للمسلمين لئلّا يحملهم العطف على المسلمين على أن يقاتلوا قوما بينهم وبينهم ميثاق . وفي هذا التحذير تنويه بشأن الوفاء بالعهد ، وأنّه لا ينفضه إلّا أمر صريح في مخالفته . [ 73 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 73 ] وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ ( 73 ) هذا بيان لحكم القسم المقابل لقوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا [ الأنفال : 72 ] وما عطف عليه . والواو للتقسيم والإخبار عنهم بأنّ بعضهم أولياء بعض خبر مستعمل في مدلوله الكنائي : وهو أنّهم ليسوا بأولياء للمسلمين ، لأنّ الإخبار عن ولاية بعضهم بعضا ليس صريحة ممّا يهمّ المسلمين لولا أنّ القصد النهي عن موالاة المسلمين إيّاهم ، وبقرينة قوله : إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ أي : إن لا تفعلوا قطع الولاية معهم ، فضمير تفعلوه عائد إلى ما في قوله : بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ بتأويل : المذكور ، لظهور أن ليس المراد تكليف المسلمين بأن ينفذوا ولاية الذين كفروا بعضهم بعضا ، لولا أنّ المقصود لازم ذلك وهو عدم موالاة المسلمين إيّاهم . والفتنة اختلال أحوال الناس ، وقد مضى القول فيها عند قوله : حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ [ البقرة : 102 ] - وقوله - وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ في سورة البقرة