الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
167
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
مغفرة شديد الغفران رحيم بعباده ، فمثال المبالغة وهو غفور المقتضي قوة المغفرة وكثرتها ، مستعمل فيهما باعتبار كثرة المخاطبين وعظم المغفرة لكلّ واحد منهم . وقرأ الجمهور مِنَ الْأَسْرى - بفتح الهمزة وراء بعد السين - مثل أسرى الأولى ، وقرأها أبو عمرو ، وأبو جعفر من الأسارى - بضمّ الهمزة وألف بعد السين وراءه - فورودهما في هذه الآية تفنّن . [ 71 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 71 ] وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 71 ) الضمير في يُرِيدُوا عائد إلى من في أيديكم من الأسرى . وهذا كلام خاطب به اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم اطمئنانا لنفسه ، وليبلغ مضمونه إلى الأسرى ، ليعلموا أنّهم لا يغلبون اللّه ورسوله . وفيه تقرير للمنّة على المسلمين التي أفادها قوله : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً [ الأنفال : 69 ] ، فكل ذلك الإذن والتطييب بالتهنئة والطمأنة بأن ضمن لهم ، إن خانهم الأسرى بعد رجوعهم إلى قومهم ونكثوا عهدهم وعادوا إلى القتال ، بأنّ اللّه يمكّن المسلمين منهم مرة أخرى ، كما أمكنهم منهم في هذه المرة ، أي : أن ينووا من العهد بعدم العود إلى الغزو خيانتك ، وإنّما وعدوا بذلك لينجوا من القتل والرقّ ، فلا يضرّكم ذلك ، لأنّ اللّه ينصركم عليهم ثاني مرة . والخيانة نقض العهد وما في معنى العهد كالأمانة . فالعهد ، الذي أعطوه ، هو العهد بأن لا يعودوا إلى قتال المسلمين . وهذه عادة معروفة في أسرى الحرب إذا أطلقوهم فمن الأسرى من يخون العهد ويرجع إلى قتال من أطلقوه . وخيانتهم اللّه ، التي ذكرت في الآية ، يجوز أن يراد بها الشرك فإنّه خيانة للعهد الفطري الذي أخذه اللّه على بني آدم فيما حكاه بقوله : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذرياتهم [ الأعراف : 172 ] الآية فإنّ ذلك استقرّ في الفطرة ، وما من نفس إلّا وهي تشعر به ، ولكنّها تغالبها ضلالات العادات واتّباع الكبراء من أهل الشرك كما تقدّم . وأن يراد بها العهد المجمل المحكي في قوله : دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما [ الأعراف : 189 ، 190 ] .