الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
157
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
واحدة ولزمه النصب على الظرفية . وروى الطبري عن ابن عبّاس : « كان لكلّ رجل من المسلمين عشرة لا ينبغي أن يفرّ منهم ، وكانوا كذلك حتّى أنزل اللّه الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً » الآية ، فعبّأ لكلّ رجل من المسلمين رجلين من المشركين ، فهذا حكم وجوب نسخ بالتخفيف الآتي ، قال ابن عطية : وذهب بعض الناس إلى أنّ ثبوت الواحد للعشرة إنّما كان على جهة ندب المؤمنين إليه ثم حطّ ذلك حين ثقل عليهم إلى ثبوت الواحد للاثنين . وروي هذا عن ابن عباس أيضا . قلت : وكلام ابن عبّاس المروي عند ابن جرير مناف لهذا القول . والوقت المستحضر بقوله : الْآنَ هو زمن نزولها . وهو الوقت الذي علم اللّه عنده انتهاء الحاجة إلى ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من المشركين ، بحيث صارت المصلحة في ثبات الواحد لاثنين ، لا أكثر ، رفقا بالمسلمين واستبقاء لعددهم . فمعنى قوله : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ أنّ التخفيف المناسب ليسر هذا الدين روعي في هذا الوقت ، ولم يراع قبله لمانع منع من مراعاته فرجّح إصلاح مجموعهم . وفي قوله تعالى : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ . وقوله : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً دلالة على أنّ ثبات الواحد من المسلمين للعشرة من المشركين كان وجوبا وعزيمة وليس ندبا خلافا لما نقله ابن عطية عن بعض العلماء . ونسب أيضا إلى ابن عباس كما تقدّم آنفا ، لأنّ المندوب لا يثقل على المكلّفين ، ولأنّ إبطال مشروعية المندوب لا يسمّى تخفيفا ، ثم إذا أبطل الندب لزم أن يصير ثبات الواحد للعشرة مباحا مع أنه تعريض الأنفس للتهلكة . وجملة : وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً في موضع الحال ، أي : خفف اللّه عنكم وقد علم من قبل أنّ فيكم ضعفا ، فالكلام كالاعتذار على ما في الحكم السابق من المشقّة بأنّها مشقة اقتضاها استصلاح حالهم ، وجملة الحال المفتتحة بفعل مضي يغلب اقترانها ب ( قد ) . وجعل المفسّرون موقع و عَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً موقع العطف فنشأ إشكال أنّه يوهم حدوث علم اللّه تعالى بضعفهم في ذلك الوقت ، مع أنّ ضعفهم متحقّق ، وتأوّلوا المعنى على أنّه طرأ عليهم ضعف ، لما كثر عددهم ، وعلمه اللّه ، فخفّف عنهم ، وهذا بعيد لأنّ الضعف في حالة القلّة أشدّ . ويحتمل على هذا المحمل أن يكون الضعف حدث فيهم من تكرّر ثبات الجمع