الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
147
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والتوفية : أداء الحقّ كاملا ، جعل اللّه ذلك الإنفاق كالقرض للّه ، وجعل على الإنفاق جزاء ، فسمّى جزاءه توفية على طريقة الاستعارة المكنية ، وتدلّ التوفية على أنّه يشمل الأجر في الدنيا مع أجر الآخرة ، ونقل ذلك عن ابن عباس . وتعدية التوفية إلى الإنفاق بطريق بناء للفعل للنائب ، وإنّما الذي يوفّى هو الجزاء على الإنفاق في سبيل اللّه ، للإشارة إلى أنّ الموفّى هو الثواب . والتوفية تكون على قدر الإنفاق وأنّها مثله ، كما يقال : وفّاه دينه ، وإنّما وفّاه مماثلا لدينه . وقريب منه قولهم : قضى صلاة الظهر ، وإنّما قضى صلاة بمقدارها فالإسناد : إمّا مجاز عقلي ، أو هو مجاز بالحذف . والظلم : هنا مستعمل في النقص من الحقّ ، لأنّ نقص الحقّ ظلم ، وتسمية النقص من الحقّ ظلما حقيقة . وليس هو كالذي في قوله تعالى : كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً [ الكهف : 33 ] . [ 61 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 61 ] وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 61 ) انتقال من بيان أحوال معاملة العدوّ في الحرب : من وفائهم بالعهد ، وخيانتهم ، وكيف يحلّ المسلمون العهد معهم إن خافوا خيانتهم ، ومعاملتهم إذا ظفروا بالخائنين ، والأمر بالاستعداد لهم ؛ إلى بيان أحكام السلم إن طلبوا السلم والمهادنة ، وكفّوا عن حالة الحرب . فأمر اللّه المسلمين بأن لا يأنفوا من السلم وأن يوافقوا من سأله منهم . والجنوح : الميل ، وهو مشتقّ من جناح الطائر : لأنّ الطائر إذا أراد النزول مال بأحد جناحيه ، وهو جناح جانبه الذي ينزل منه ، قال النابغة يصف الطير تتبع الجيش : جوانح قد أيقنّ أنّ قبيله * إذا ما التقى الجمعان أوّل غالب فمعنى وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ إن مالوا إلى السلم ميل القاصد إليه ، كما يميل الطائر الجانح . وإنّما لم يقل : وإن طلبوا السلم فأجبهم إليهم ، للتنبيه على أنّه لا يسعفهم إلى السلم حتى يعلم أن حالهم حال الراغب ، لأنّهم قد يظهرون الميل إلى السلم كيدا ، فهذا مقابل قوله : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ [ الأنفال : 58 ] فإن نبذ العهد نبذ لحال السلم . واللام في قوله : لِلسَّلْمِ واقعة موقع ( إلى ) لتقوية التنبيه على أنّ ميلهم إلى السلم