الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
142
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الحقوق إذا فاتت كانت بليّتها على واحد ، وأمكن تدارك فائتها . ومصالح الأمّة إذا فاتت تمكّن منها عدوّها ، فلذلك علّق نبذ العهد بتوقّع خيانة المعاهدين من الأعداء ، ومن أمثال العرب : « خذ اللص قبل يأخذك » ، أي وقد علمت أنّه لص . و عَلى سَواءٍ صفة لمصدر محذوف ، أي نبذا على سواء ، أو حال من الضمير في ( انبذ ) أي حالة كونك على سواء . و عَلى فيه للاستعلاء المجازي فهي تؤذن بأنّ مدخولها ممّا شأنه أن يعتلى عليه . و سَواءٍ وصف بمعنى مستو ، كما تقدم في قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ في سورة البقرة [ 6 ] . وإنما يصلح للاستواء مع معنى ( على ) الطريق ، فعلم أن سَواءٌ وصف لموصوف محذوف يدلّ عليه وصفه ، كما في قوله تعالى : عَلى ذاتِ أَلْواحٍ [ القمر : 13 ] ، أي سفينة ذات ألواح . وقوله النابغة : كما لقيت ذات الصّفا من حليفها أي الحية ذات الصفا . ووصف النبذ أو النابذ بأنّه على سواء ، تمثيل بحال الماشي على طريق جادّة لا التواء فيها ، فلا مخاتلة لصاحبها كقوله تعالى : فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلى سَواءٍ [ الأنبياء : 109 ] وهذا كما يقال ، في ضدّه : هو يتبع بنيات الطريق ، أي يراوغ ويخاتل . والمعنى : فانبذ إليهم نبذا واضحا علنا مكشوفا . ومفعول ( انبذ ) محذوف بقرينة ما تقدّم من قوله : ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ [ الأنفال : 56 ] وقوله : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً أي انبذ عهدهم . وعدّي « انبذ » ب ( إلى ) لتضمينه معنى أردد إليهم عهدهم ، وقد فهم من ذلك لا يستمرّ على عهدهم لئلا يقع في كيدهم وأنّه لا يخونهم لأنّ أمره ينبذ عهده معهم ليستلزم أنّه لا يخونهم . وجملة : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ تذييل لما اقتضته جملة : وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً إلخ تصريحا واستلزاما . والمعنى : لأنّ اللّه لا يحبّهم ، لأنّهم متّصفون بالخيانة فلا تستمرّ على عهدهم فتكون معاهدا لمن لا يحبّهم اللّه ؛ ولأنّ اللّه لا يحبّ أن تكون أنت من الخائنين كما قال تعالى : وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ