الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
139
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والأظهر أنّ هذه الآية نزلت عقب وقعة بدر ، وقبل وقعة الخندق ، فالنقض الحاصل منهم حصل مرّة واحدة ، وأخبر عنه بأنّه يتكرّر مرات ، وإن كانت نزلت بعد الخندق ، بأن امتدّ زمان نزول هذه السورة ، فالنقض منهم قد حصل مرّتين ، والإخبار عنه بأنّه يتكرّر مرّات هو هو ، فلا جدوى في ادّعاء أنّ الآية نزلت بعد وقعة الخندق . وجملة : وَهُمْ لا يَتَّقُونَ إمّا عطف على الصلة ، أو على الخبر ، أو في محلّ الحال من ضمير يَنْقُضُونَ . وعلى جميع الاحتمالات فهي دالّة على أنّ انتفاء التقوى عنهم صفة متمكّنة منهم ، وملكة فيهم ، بما دلّ عليه تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي المنفي من تقوي الحكم وتحقيقه ، كما تقدّم في قوله : فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . ووقوع فعل يَتَّقُونَ في حيّز النفي يعمّ سائر جنس الاتّقاء وهو الجنس المتعارف منه ، الذي يتهمّم به أهل المروءات والمتديّنون ، فيعمّ اتّقاء اللّه وخشية عقابه في الدنيا والآخرة ، ويعمّ اتّقاء العار ، واتّقاء المسبّة واتّقاء سوء السمعة . فإنّ الخسيس بالعهد ، والغدر ، من القبائح عند جميع أهل الأحلام ، وعند العرب أنفسهم ، ولأنّ من عرف بنقض العهد عدم من يركن إلى عهده وحلفه ، فيبقى في عزلة من الناس فهؤلاء الذين نقضوا عهدهم قد غلبهم البغض في الدين ، فلم يعبئوا بما يجرّه نقض العهد ، من الأضرار لهم . وإذ قد تحقّق منهم نقض العهد فيما مضى ، وهو متوقّع منهم فيما يأتي ، لا جرم تفرّع عليه أمر اللّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يجعلهم نكالا لغيرهم ، متى ظفر بهم في حرب يشهرونها عليه أو يعينون عليه عدوّه . وجاء الشرط بحرف ( إن ) مزيدة بعدها ( ما ) لإفادة تأكيد وقوع الشرط وبذلك تنسلخ ( إن ) عن الإشعار بعدم الجرم بوقوع الشرط وزيد التأكيد باجتلاب نون التوكيد . وفي « شرح الرضي على الحاجبية » ، عن بعض النحاة : لا يجيء ( إمّا ) إلّا بنون التأكيد بعده كقوله تعالى : فَإِمَّا تَرَيِنَّ [ مريم : 26 ] . وقال ابن عطية في قوله : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ دخلت النون مع إما : إمّا للتأكيد أو للفرق بينها وبين إمّا التي هي حرف انفصال في قولك : جاءني إمّا زيد وإمّا عمرو . وقلت : دخول نون التوكيد بعد ( إن ) المؤكّدة بما ، غالب ، وليس بمطّرد ، فقد قال الأعشى : إمّا ترينا حفاة لا نعال لنا * إنّا كذلك ما تحفى وننتعل