الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
135
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وزيد وصف « قوي » هنا مبالغة في تهديد المشركين المقصودين بالإنذار والتهديد . والقوي الموصوف بالقوة ، وحقيقتها كمال صلابة الأعضاء لأداء الأعمال التي تراد منها ، وهي متفاوتة مقول عليها بالتشكيك . وقد تقدّم عند قوله تعالى : فَخُذْها بِقُوَّةٍ [ الأعراف : 145 ] . وهي إذا وصف اللّه بها مستعملة في معناها اللزومي وهي منتهى القدرة على فعل ما تتعلّق به إرادته تعالى من الممكنات . والمقصود من ذكر هذين الوصفين : الإيماء إلى أنّ أخذهم كان قويا شديدا ، لأنّه عقاب قوي شديد العقاب ، كقوله : فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 42 ] ، وقوله : إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ [ هود : 102 ] . [ 53 ] [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 53 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 ) استئناف بياني . والإشارة إلى مضمون قوله : فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ [ الأنفال : 52 ] أي ذلك المذكور بسبب أنّ اللّه لم يك مغيّرا إلخ أي ذلك الأخذ بسبب أعمالهم التي تسببوا بها في زوال نعمتهم . والإشارة تفيد العناية بالمخبر عنه ، وبالخبر . والتسبيب يقتضي أنّ آل فرعون والذين من قبلهم كانوا في نعمة فغيرها اللّه عليهم بالنقمة ، وأنّ ذلك جرى على سنة اللّه أنّه لا يسلب نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيّروا ذلك بأنفسهم ، وأنّ قوم فرعون والذين من قبلهم كانوا من جملة الأقوام الذين أنعم اللّه عليهم فتسبّبوا بأنفسهم في زوال النعمة كما قال تعالى : وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها [ القصص : 58 ] . وهذا إنذار لقريش يحلّ بهم مثل ما حلّ بغيرهم من الأمم الذين بطروا النعمة . فقوله : لَمْ يَكُ مُغَيِّراً مؤذن بأنّه سنة اللّه ومقتضى حكمته ، لأنّ نفي الكون بصيغة المضارع يقتضي تجدد النفي ومنفيّه . و « التغيير » تبديل شيء بما يضاده فقد يكون تبديل صورة جسم كما يقال : غيّرت داري ، ويكون تغيير حال وصفة ومنه تغيير الشيب أي صباغه ، وكأنه مشتقّ من الغير وهو المخالف ، فتغيير النعمة إبدالها بضدّها وهو النقمة وسوء الحال ، أي تبديل حالة حسنة بحالة سيّئة .