الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
132
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا [ البقرة : 127 ] ، وقوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا [ السجدة : 12 ] . وذكر الوجوه والأدبار للتعميم ، أي : يضربون جميع أجسادهم . فالأدبار : جمع دبر وهو ما دبر من الإنسان . ومنه قوله تعالى : سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [ القمر : 45 ] . وكذلك الوجوه كناية عمّا أقبل من الإنسان ، وهذا كقول العرب : ضربته الظهر والبطن ، كناية عمّا أقبل وما أدبر أي ضربته في جميع جسده . و « الذوق » مستعمل في مطلق الإحساس ، بعلاقة الإطلاق . وإضافة العذاب إلى الحريق من إضافة الجنس إلى نوعه ، لبيان النوع ، أي عذابا هو الحريق ، فهي إضافة بيانية . و الْحَرِيقِ هو اضطرام النار ، والمراد به جهنّم ، فلعلّ اللّه عجّل بأرواح هؤلاء المشركين إلى النار قبل يوم الحساب ، فالأمر مستعمل في التكوين ، أي : يذيقونهم ، أو مستعمل في التشفّي ، أو المراد بقول الملائكة وَذُوقُوا إنذارهم بأنّهم سيذوقونه ، وإنّما يقع الذوق يوم القيامة ، فيكون الأمر مستعملا في الإنذار كقوله تعالى : قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ [ إبراهيم : 30 ] بناء على أنّ التمتّع يؤذن بشيء سيحدث بعد التمتّع مضاد لما به التمتّع . واسم الإشارة ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ إلى ما يشاهدونه من العذاب ، وجيء بإشارة البعيد لتعظيم ما يشاهدونه من الأهوال . والجملة مستأنفة لقصد التنكيل والتشفّي . والباء للسببية ، وهي ، مع المجرور ، خبر عن اسم الإشارة . و « ما » في قوله : بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ موصولة ، ومعنى قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ أسلفته من الأعمال فيما مضى ، أي من الشرك وفروعه من الفواحش . وذكر الأيدي استعارة مكنية بتشبيه الأعمال التي اقترفوها ، وهي ما صدق بِما قَدَّمَتْ بما يجتنيه المجتني من الثمر ، أو يقبضه البائع من الأثمان ، تشبيه المعقول بالمحسوس ، وذكر رديف المشبه وهو الأيدي التي هي آلة الاكتساب ، أي : بما قدّمته أيديكم لكم .