الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

120

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والسراب ، أو عند حدوث ضباب أو نحو ذلك ، وإلقاء اللّه الخيال في نفوس الفريقين أعظم من تلك الأسباب . وهذه الرؤية قد مضت بقرينة قوله : إِذِ الْتَقَيْتُمْ فالتعبير بالمضارع لاستحضار الحالة العجيبة لهاته الإراءة ، كما تقدّم في قوله تعالى : إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا [ الأنفال : 43 ] . و إِذِ الْتَقَيْتُمْ ظرف ل يُرِيكُمُوهُمْ وقوله : فِي أَعْيُنِكُمْ تقييد للإرادة بأنّها في الأعين ، لا غير ، وليس المرئيّ كذلك في نفس الأمر ، ويعلم ذلك من تقييد الإراءة بأنّها في الأعين ، لأنّه لو لم يكن لمقصد لكان مستغنى عنه ، مع ما فيه من الدلالة على أنّ الإراءة بصرية لا حلمية كقوله في الآية الأخرى : ترونهم مثليهم رأي العين [ آل عمران : 13 ] . والالتقاء افتعال من اللقاء ، وصيغة الافتعال فيه دالّة على المبالغة . واللقاء والالتقاء في الأصل الحضور لدى الغير ، من صديق أو عدوّ ، وفي خير أو شرّ ، وقد كثر إطلاقه على الحضور مع الأعداء في الحرب ، وقد تقدّم عند قوله تعالى في هذه السورة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً [ الأنفال : 15 ] الآية . وَيُقَلِّلُكُمْ يجعلكم قليلا ، لأنّ مادة التفعيل تدلّ على الجعل ، فإذا لم يكن الجعل متعلّقا بذات المفعول ، تعيّن أنّه متعلّق بالإخبار عنه ، كما ورد في الحديث في يوم الجمعة : « وفيه ساعة » ، قال الراوي : يقلّلها ؛ أو متعلق بالإراءة كما هنا ، وذلك هو الذي اقتضى زيادة قوله : فِي أَعْيُنِهِمْ ليعلم أنّ التقليل ليس بالنقص من عدد المسلمين في نفس الأمر . وقوله : لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا هو نظير قوله : وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [ الأنفال : 42 ] المتقدم أعيد هنا لأنّه علّة إراءة كلا الفريقين الفريق الآخر قليلا ، وأما السابق فهو علّة لتلاقي الفريقين في مكان واحد في وقت واحد . ثم إنّ المشركين لما برزوا لقتال المسلمين ظهر لهم كثرة المسلمين فبهتوا ، وكان ذلك بعد المناجزة ، فكان ملقيا الرعب في قلوبهم ، وذلك ما حكاه في سورة آل عمران [ 13 ] قوله : ترونهم مثليهم رأي العين . وخولف الأسلوب في حكاية إراءة المشركين ، وحكاية إراءة المسلمين ، لأنّ