الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
116
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يخامرهم من تهيّب جيش المشركين . فكانت تلك الرؤيا من أسباب النصر ، وكانت تلك الرؤيا منّة من اللّه على رسوله والمؤمنين ، وكانت قلة العدد في الرؤيا رمزا وكناية عن وهن أمر المشركين لا عن قلّة عددهم . ولذلك جعلها اللّه في رؤيا النوم دون الوحي ، لأنّ صور المرائي المنامية تكون رموزا لمعان فلا تعدّ صورتها الظاهرية خلفا ، بخلاف الوحي بالكلام . وقد حكاها النبي صلى اللّه عليه وسلم للمسلمين ، فأخذوها على ظاهرها ، لعلمهم أنّ رؤيا النبي وحي ، وقد يكون النبي قد أطلعه اللّه على تعبيرها الصائب ، وقد يكون صرفه عن ذلك فظنّ كالمسلمين ظاهرها ، وكلّ ذلك للحكمة . فرؤيا النبي صلى اللّه عليه وسلم لم تخطئ ولكنها أو همتهم قلّة العدد ، لأنّ ذلك مرغوبهم والمقصود منه حاصل ، وهو تحقّق النصر ، ولو أخبروا بعدد المشركين كما هو لجبنوا عن اللقاء فضعفت أسباب النصر الظاهرة المعتادة التي تكسبهم حسن الأحدوثة . ورؤيا النبي لا تخطئ ، ولكنها قد تكون جارية على الصورة الحاصلة في الخارج ، كما ورد في حديث عائشة في بدء الوحي : أنّه كان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصبح ، وهذا هو الغالب ، وخاصّة قبل ابتداء نزول الملك بالوحي ، وقد تكون رؤيا النبي صلى اللّه عليه وسلم رمزية وكناية كما في حديث رؤياه بقرا تذبح ، ويقال له : اللّه خير ، فلم يعلم المراد حتّى تبيّن له أنّهم المؤمنون الذين قتلوا يوم أحد . فلمّا أراد اللّه خذل المشركين وهزمهم أرى نبيئه المشركين قليلا كناية بأحد أسباب الانهزام ، فإنّ الانهزام يجيء من قلّة العدد . وقد يمسك النبي عليه الصلاة والسلام عن بيان التعبير الصحيح لحكمة ، كما في حديث تعبير أبي بكر رؤيا الرجل الذي قصّ رؤياه على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقول النبي له : « أصبت بعضا وأخطأت بعضا » وأبى أن يبيّن له ما أصاب منها وما أخطأ . ولو أخبر اللّه رسوله ليخبر المؤمنين بأنّهم غالبون المشركون لآمنوا بذلك إيمانا عقليا لا يحصل منه ما يحصل من التصوير بالمحسوس ، ولو لم يخبره ولم يره تلك الرؤيا لكان المسلمون يحسبون للمشركين حسابا كبيرا . لأنّهم معروفون عندهم بأنّهم أقوى من المسلمين بكثير . وهذه الرؤيا قد مضت بالنسبة لزمن نزول الآية ، فالتعبير بالفعل المضارع لاستحضار حالة الرؤيا العجيبة . والقليل هنا قليل العدد بقرينة قوله : كَثِيراً . أراه إيّاهم قليلي العدد ، وجعل ذلك في المكاشفة النومية كناية عن الوهن والضعف . فإنّ لغة العقول والأرواح أوسع من لغة